قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ التوبة (51)
 
الرئيسيةمحرك بحثاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَاالْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ الرعد (35)

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِفَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ آل عمران (103)

اختر لغة الموقع من هنا
أختر لغة المنتدى من هنا
ناشونال جرافيك
الجزيرة - مباشر مصر
الجزيرة نت
الجزيرة america
الاخوان المسلمون
cnn english
جريدة الشعب
احرار 25
شبكة رصد الاخبارية
الجزيرة الوثائقية
CNN بالعربية
المواضيع الأخيرة
» خطبة عيد الفطر 2016(صلة الرحم ) للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري برقم 1045
السبت يناير 28, 2017 9:02 am من طرف mousa

» حدوتة مصرية وفقرة عن مناسك الحج وكيفية الاستعداد لها
السبت يناير 28, 2017 9:01 am من طرف mousa

» خطبة الحقوق المتكافئة ويوم عرفه للشيخ أسامةموسى عبدالله الأزهري برقم
السبت يناير 28, 2017 8:59 am من طرف mousa

» فضل الحج والعشر ويوم عرفة للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري قناة النيل الثقافية
السبت يناير 28, 2017 8:57 am من طرف mousa

» الأضحية ومايتعلق بها(للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري برقم
السبت يناير 28, 2017 8:55 am من طرف mousa

» الهجرة النبوية اسباب ودروس للشيخ اسامه موسي عبدالله الازهري بتاريخ 3 10 2016
السبت يناير 28, 2017 8:53 am من طرف mousa

» خطبة العيد التضحية والاضحية 2016 للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري
السبت يناير 28, 2017 8:52 am من طرف mousa

» درس حق الزوجة للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري
السبت يناير 28, 2017 8:50 am من طرف mousa

» خطبة الخطبة الهجرة النبويةوالبناء والأخلاق للشيخ أسامة موسى عبدلله الأزهري 2016
السبت يناير 28, 2017 8:48 am من طرف mousa

المهندس محمد موسى











شاطر | 
 

 كتاب أحكام القرآن ج20

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mousa
.
.
avatar

مصر
عدد المساهمات : 6914

مُساهمةموضوع: كتاب أحكام القرآن ج20   الإثنين أغسطس 01, 2011 6:28 am

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ أَكْثَرُ ، لِضَعْفِ الْإِسْلَامِ ، وَفِعْلُ ذَلِكَ كَانَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَشَقُّ ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعَزْمِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } وَقَدْ بَيَّنَّا نَحْنُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَرْتِيبَ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَمَرَاتِبِ التَّابِعِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ثَبَتَ انْتِفَاءُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ يَكُونُ [ فِي الدِّينِ وَيَكُونُ ] فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَعْظَمُ الْمَنَازِلِ مَرْتَبَةً الصَّلَاةُ } .
{ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقِيلَ لَهُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إذَا قَامَ مَقَامَك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } .
الْحَدِيثَ .
فَقَدَّمَ الْمُقَدَّمَ ، وَرَاعَى الْأَفْضَلَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا ، وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَخِيهِ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } .
فَفَهِمَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أَرَادَ كِبَرَ الْمَنْزِلَةِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ } .
وَلَمْ يَعْنِ كِبَرَ السِّنِّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ كِبَرَ الْمَنْزِلَةِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : وَإِنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا .
وَرَاعَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْمُرَاعَاةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْعِلْمُ وَالسِّنُّ فِي خَيِّرَيْنِ قُدِّمَ الْعِلْمُ وَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ ، فَمَنْ قُدِّمَ فِي الدِّينِ قُدِّمَ فِي الدُّنْيَا .
وَفِي الْآثَارِ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْتَرِفْ لِعَالِمِنَا } .
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الْأَفْرَادِ : { مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ } .
وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْعُثْمَانِيُّ الشَّهِيدُ نَزِيلُ الْقُدْسِ لِابْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ السَّرَقُسْطِيِّ : يَا عَائِبًا لِلشُّيُوخِ مِنْ أَشَرٍ دَاخَلَهُ لِلصِّبَا وَمِنْ بَذَخِ اُذْكُرْ إذَا شِئْت أَنْ تَعِيبَهُمْ جَدَّك وَاذْكُرْ أَبَاك يَا بْنَ أَخِي وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّبَابَ مُنْسَلِخٌ عَنْك وَمَا وِزْرُهُ بِمُنْسَلِخِ مَنْ لَا يُعِزُّ الشُّيُوخَ لَا بَلَغَتْ يَوْمًا بِهِ سِنُّهُ إلَى الشَّيْخِ
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالشُّهَدَاءُ } وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ النَّبِيُّونَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُؤْمِنُونَ .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِيدٌ ، أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ [ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } ] .
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى الْكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ شَاهِدٍ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَيْرُ الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، وَلَهُ الْأَجْرُ إذَا أَدَّى وَالْإِثْمُ إذَا كَتَمَ } .
وَنُورُهُمْ [ قِيلَ ] وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هُوَ ظُهُورُ الْحَقِّ بِهِ ، وَقِيلَ نُورُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَالْكُلُّ صَالِحٌ لِلْقَوْلِ حَاصِلٌ لِلشَّاهِدِ بِالْحَقِّ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا .
وَهُمْ أَوْفَى دَرَجَةً وَأَعْلَى .
وَالشُّهَدَاءُ قَدْ بَيَّنَّا عَدَدَهُمْ ، وَهُمْ الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
الْمَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ [ الْمَقْتُولُ دُونَ أَهْلِهِ ] .
الْمَطْعُونُ .
الْغَرِقُ .
الْحَرِقُ .
الْمَجْنُونُ .
الْهَدِيمُ .
ذَاتُ الْجَمْعِ .
الْمَقْتُولُ ظُلْمًا .
أَكِيلُ السَّبْعِ .
الْمَيِّتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
مَنْ مَاتَ مِنْ بَطْنٍ فَهُوَ شَهِيدٌ .
الْمَرِيضُ شَهِيدٌ .
الْغَرِيبُ شَهِيدٌ .
صَاحِبُ النَّظْرَةِ شَهِيدٌ .
فَهَؤُلَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهِيدًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُمْ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّ قَوْلَهُ { وَالشُّهَدَاءُ } مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى : { الصِّدِّيقُونَ } عَطْفُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ يَعْنِ ي أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الشَّهِيدُ ، وَالْكُلُّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ .
وَقِيلَ : هُوَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ ، وَالشُّهَدَاءُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ ، وَأَظْهَرُهُ عَطْفُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الرَّهْبَانِيَّةُ : فَعْلَانِيَّةٌ مِنْ الرَّهَبِ كَالرَّحْمَانِيَّةِ ؛ وَقَدْ قُرِئَتْ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهِيَ مِنْ الرُّهْبَانِ كالرَّضْوانِيَّةِ مِنْ الرُّضْوَانِ .
[ وَالرَّهَبُ هُوَ الْخَوْفُ ، كَفَى بِهِ عَنْ فِعْلٍ الْتَزَمَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَرَهْبًا مِنْ سَخَطِهِ ] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَفْسِيرِهَا : وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا رَفْضُ النِّسَاءِ ، وَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ فِي دِينِنَا ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ لِلْعُزْلَةِ ؛ وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ .
الثَّالِثُ : سِيَاحَتُهُمْ ، وَهِيَ نَحْوٌ مِنْهُ .
الرَّابِعُ رَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ قَالَ : قُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَقِّ إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ } .
وَافْتَرَقَ مَنْ [ كَانَ ] قَبْلَنَا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ ، وَهَلَكَ سَائِرُهَا : فِرْقَةٌ آزَتْ الْمُلُوكَ ، وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى حَتَّى قُتِلُوا ، وَفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ أَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَأَخَذَتْهُمْ الْمُلُوكُ وَقَتَلَهُمْ وَقَطَّعَتْهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ ، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَة بِمُوَازَاةِ الْمُلُوك ، وَلَا بِأَنْ
يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِمْ ، فَيَدْعُوهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ وَدِينِهِ ] وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَسَاحُوا فِي الْجِبَالِ ، وَتَرَهَّبُوا فِيهَا ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، وَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ، وَأَنَّهُ قَالَ : أَحْدَثْتُمْ قِيَامَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ، إنَّمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ؛ فَدُومُوا عَلَى الْقِيَامِ إذَا فَعَلْتُمُوهُ ، وَلَا تَتْرُكُوهُ ؛ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ابْتَدَعُوا بِدَعًا لَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَعَاتَبَهُمْ اللَّهُ بِتَرْكِهَا ، فَقَالَ : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } يَعْنِي تَرَكُوا ذَلِكَ فَعُوقِبُوا عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } مِنْ وَصْفِ الرَّهْبَانِيَّةِ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ابْتَدَعُوهَا } .
وَقَدْ زَاغَ قَوْمٌ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ فَظَنُّوا أَنَّهَا رَهْبَانِيَّةٌ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ الْتَزَمُوهَا ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَضْمُونِ الْكَلَامِ ، وَلَا يُعْطِيه أُسْلُوبُهُ وَلَا مَعْنَاهُ ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ إلَّا بِشَرْعٍ أَوْ نَذْرٍ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ [ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فِيهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي سَمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا قَوْلًا أَوْ غَيْرَهُ ، لَا يَخْتَصُّ بِسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ ، بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ وَيَعْلَمُهُ ، وَيَعْلَمُ الْمَعْدُومَ بِأَبْدَعِ بَيَانٍ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَالْأُصُولِ ، وَكَذَلِكَ أَوْضَحْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُ سَمِعْنَا بِكُلِّ مَوْجُودٍ ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَتُنَا ، وَلَكِنَّ الْبَارِي تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِتَعَلُّقِ رُؤْيَتِنَا بِالْأَلْوَانِ ، وَسَمْعِنَا بِالْأَصْوَاتِ ؛ وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ فِيمَا خَصَّ وَالْقُدْرَةُ فِيمَا عَمَّ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا } : وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُجَادِلَةِ وَحَقِيقَتُهَا وَجَوَازُهَا فِي طَلَبِ قَصْدِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِهِ ، وَأَمْرِ اللَّهِ بِهَا ، وَنَسْخِهِ وَتَخْصِيصِهِ لَهَا وَتَعْمِيمِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْمُجَادِلَةِ : وَفِيهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ : قِيلَ هِيَ خَوْلَةُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ .
وَقِيلَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْجٍ .
وَقِيلَ : بِنْتُ الصَّامِتِ .
وَأُمُّهَا مُعَاذَةُ ؛ كَانَتْ أَمَةً لِابْنِ أُبَيٍّ .
وَفِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ } الْآيَةَ .
وَقِيلَ : خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، وَهِيَ أَشْبَهُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ جَاءَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهِيَ عَجُوزَةٌ كَبِيرَةٌ ، وَالنَّاسُ مَعَهُ ، وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ قَالَ : فَجَنَحَ إلَيْهَا ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِهَا ، وَتَنَحَّى النَّاسُ عَنْهَا ، فَنَاجَاهَا طَوِيلًا ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَبَسْت رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ .
قَالَ : أَتَدْرُونَ مَنْ هِيَ ؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ؛ فَوَاَللَّهِ لَوْ قَامَتْ هَكَذَا إلَى اللَّيْلِ لَقُمْت مَعَهَا إلَى أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةٌ ، وَأَنْطَلِقَ لِأُصَلِّيَ ثُمَّ أَرْجِعَ إلَيْهَا .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَفِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ ، وَعَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ؛ { قُلْت : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك } } .
وَنَصُّهُ عَلَى الِاخْتِصَارِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ { لَمَّا ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ لَهُ :
وَاَللَّهِ مَا أَرَاك إلَّا قَدْ أَثِمْت فِي شَأْنِي ، لَبِسْت جِدَّتِي ، وَأَفْنَيْت شَبَابِي ، وَأَكَلْت مَالِي ، حَتَّى إذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَرَقَّ عَظْمِي ، وَاحْتَجْت إلَيْك فَارَقْتنِي .
قَالَ : مَا أَكْرَهَنِي لِذَلِكَ ، اذْهَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْظُرِي هَلْ تَجِدِينَ عِنْدَهُ شَيْئًا فِي أَمْرِك ؟ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَلَمْ تَبْرَحْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا } فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً .
قَالَ : لَا أَجِدُ ذَلِكَ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ؛ أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .
قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قَالَ : لَا أَجِدُ .
فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعِيرًا ، وَقَالَ : خُذْ هَذَا فَأَطْعِمْهُ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا { أَنَّ سَعِيدًا أَتَى أَبَا سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ أَحَدَ بَنِي بَيَاضَةَ ، كَانَ رَجُلًا ميطا فَلَمَّا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ ، فَرَآهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بِرِيقِ الْقَمَرِ ، وَرَأَى بَرِيقَ خَلْخَالِهَا وَسَاقِهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا ، وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ لَهُ : أَتَيْت بِهَذَا يَا أَبَا سَلَمَةَ ثَلَاثًا ؟ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً .
قَالَ : مَا أَمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي هَذِهِ .
فَأَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ .
قَالَ : إنَّمَا هِيَ وَجْبَةٌ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : مَا مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ .
قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِنَاعٍ فِيهِ تَمْرٌ .
فَقَالَ لَهُ : خُذْ هَذَا ، فَتَصَدَّقْ بِهِ وَأَطْعِمْهُ عِيَالَك } .
[ وَقِيلَ هَذَا صَخْرُ بْنُ ] سَلَمَةَ بْنُ صَخْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ الَّذِي أَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِجَنَّ يَوْمَ أُحُدٍ .
وَقَالَ : وَجْهِي أَحَقُّ بِالْكَلْمِ مِنْ وَجْهِك ،

وَارْتُثَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلَى ، وَبِهِ رَمَقٌ ، وَقَدْ كُلِمَ كُلُومًا كَثِيرَةً ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُومَهُ ، وَاسْتَشْفَى لَهُ فَبَرِئَ ، وَفِيهِ نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ } : رُوِيَ { أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ دُلَيْجٍ ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ كَذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ حَرُمْت عَلَيْهِ ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ : إلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إلَيْهِ .
ثُمَّ عَادَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَرُمْت عَلَيْهِ .
فَقَالَتْ : إلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إلَيْهِ ، وَعَائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، فَذَهَبَتْ أَنْ تُعِيدَ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، اُسْكُتِي ، فَإِنَّهُ نَزَلَ الْوَحْيُ .
فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوْجِهَا : أَعْتِقْ رَقَبَةً .
قَالَ : لَا أَجِدُ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : إنْ لَمْ آكُلْ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ خِفْت أَنْ يَعْشُوَ بَصَرِي .
قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قَالَ : فَأَعِنِّي ، فَأَعَانَهُ بِشَيْءٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ } حَقِيقَتُهُ تَشْبِيهُ ظَهْرٍ [ بِظَهْرٍ ، وَالْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ مِنْهُ تَشْبِيهُ ظَهْرِ ] مُحَلَّلٍ بِظَهْرِ مُحَرَّمٍ ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ، أُصُولُهَا سَبْعَةٌ : الْفَرْعُ الْأَوَّلُ : إذَا شَبَّهَ جُمْلَةَ أَهْلِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
الْفَرْعُ الثَّانِي : إذَا شَبَّهَ جُمْلَةَ أَهْلِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ كَانَ ظِهَارًا ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يَحِلُّ لَهُ ، وَفِيهِ رَفْعُ التَّشْبِيهِ ، وَإِيَّاهُ قَصَدَ الْمُظَاهِرُ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ لَا يَكُونُ ظِهَارًا إلَّا فِي الظَّهْرِ وَحْدَهُ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا مُحَرَّمٌ ، فَكَانَ التَّشْبِيهُ بِهِ ظِهَارًا كَالظَّهْرِ ، وَلِأَنَّ الْمُظَاهِرَ إنَّمَا يَقْصِدُ تَشْبِيهَ الْمُحَلَّلِ بِالْمُحَرَّمِ ؛ فَلَزِمَ عَلَى الْمَعْنَى .

الْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ؛ فَصَحَّ إضَافَةُ الظِّهَارِ إلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْفَرْعُ الرَّابِعُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي ، أَوْ مِثْلُ أُمِّي ، فَإِنْ نَوَى ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ ظِهَارًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ أَطْلَقَ تَشْبِيهَ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ ، فَكَانَ ظِهَارًا ؛ أَصْلُهُ إذَا ذَكَرَ الظَّهْرَ ، وَهَذَا قَوِيٌّ ؛ إذْ مَعْنَى اللَّفْظِ فِيهِ مَوْجُودٌ ، وَاللَّفْظُ بِمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ حُكْمُ الظَّهْرِ لِلَفْظِهِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَ لِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ .

الْفَرْعُ الْخَامِسُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا ؛ وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ حَرَامٌ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ بِالطَّلَاقِ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ بِالظِّهَارِ ، فَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ كَانَ تَفْسِيرًا لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَقَضَى بِهِ فِيهِ .

الْفَرْعُ السَّادِسُ إنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَإِنْ ذَكَرَ الظَّهْرَ كَانَ ظِهَارًا حَمْلًا عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الظَّهْرَ فَاخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُونُ ظِهَارًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُونُ طَلَاقًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ شَيْئًا ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ مُحَلَّلًا مِنْ الْمَرْأَةِ بِمُحَرَّمٍ ، فَكَانَ مُقَيَّدًا بِحُكْمِهِ كَالظَّهْرِ .
وَالْأَسْمَاءُ بِمَعَانِيهَا عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُمْ بِأَلْفَاظِهَا ، وَهَذَا نَقْضٌ لِلْأَصْلِ مِنْهُمْ .
الْفَرْعُ السَّابِعُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي كَانَ مُظَاهِرًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ ، وَهَذِهِ أَشْكَلُ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ مُؤَبَّدٍ كَالْأُمِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { مِنْكُمْ } .
يَعْنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي خُرُوجَ الذِّمِّيِّ مِنْ الْخِطَابِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ .
قُلْنَا : هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالِاشْتِقَاقِ .
وَالْمَعْنَى فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ مُسْتَحِقَّةُ الْفَسْخِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ طَلَاقٍ وَلَا ظِهَارٍ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عُظْمَى .
وَقَدْ مَدَدْنَا إطْنَابَ الْقَوْلِ فِيهَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ .
وَلُبَابُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ وَإِذَا خُوطِبُوا فَإِنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ لِإِخْلَالِهِمْ بِشُرُوطِهَا مِنْ وَلِيٍّ وَأَهْلٍ وَصَدَاقٍ وَوَصْفِ صَدَاقٍ ، فَقَدْ يَعْقِدُونَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَيَعْقِدُونَ [ بِغَيْرِ مَالٍ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَيَعْقِدُونَ فِي الْعِدَّةِ وَيَعْقِدُونَ ] نِكَاحَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَإِذَا خَلَتْ الْأَنْكِحَةُ عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ ، وَلَا ظِهَارَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِحَالٍ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي صِحَّةَ ظِهَارِ الْعَبْدِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَأَحْكَامُ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِ ثَابِتَةٌ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ تَظَاهُرٌ ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَلَمْ يَقُلْ : وَاَللَّاتِي يُظَاهِرْنَ مِنْكُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَإِنَّمَا الظِّهَارُ عَلَى الرِّجَالِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ وَالتَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ فِي النِّكَاحِ بِيَدِ الرِّجَالِ ، لَيْسَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ يَلْزَمُ الظِّهَارُ فِي كُلِّ أَمَةٍ يَصِحُّ وَطْؤُهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَسِيرَةٌ جِدًّا عَلَيْنَا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَمْ يَلْزَمْ ، فَكَيْفَ يُبْطَلُ صَرِيحُ التَّحْرِيمِ ، وَيُصَحَّحُ كِنَايَتُهُ ، وَلَكِنْ تَدْخُلُ الْأَمَةُ فِي عُمُومِ : { مِنْ نِسَائِهِمْ } ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مِنْ مُحَلَّلَاتِكُمْ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبُضْعِ دُونَ رَفْعِ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ فِي الْأَمَةِ ، أَصْلُهُ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ مَنْ بِهِ لَمَمٌ ، وَانْتَظَمَتْ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الْكَلِمُ إذَا ظَاهَرَ لَزِمَ ظِهَارُهُ ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ وَكَانَ زَوْجُهَا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ وَكَانَ بِهِ لَمَمٌ فَدَاخَلَهُ بَعْضُ لَمَمِهِ ، فَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ } .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مَنْ غَضِبَ فَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ طَلَّقَ لَمْ يُسْقِطْ غَضَبُهُ حُكْمَهُ .
وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
ثُمَّ خَرَجَ إلَى نَادِي قَوْمِهِ .
فَقَوْلُهَا : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ دَلِيلٌ عَلَى مُنَازَعَةٍ أَحْرَجَتْهُ ، فَظَاهَرَ مِنْهَا .
وَالْغَضَبُ لَغْوٌ لَا يَرْفَعُ حُكْمًا ، وَلَا يُغَيِّرُ شَرْعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ فِي حَالِ سُكْرِهِ إذَا عَقَلَ قَوْلَهُ ، وَنَظَمَ كَلَامَهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي الظِّهَارِ بِالْفِرَاقِ ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ .
وَهَذَا نَسْخٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ ، فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، فِي زَمَانَيْنِ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَقْلًا ، وَاقِعٌ شَرْعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النَّسْخِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الظِّهَارُ يُحَرِّمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ اسْتِمْتَاعٍ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْوَطْءُ بِالتَّشْبِيهِ بِالْمُحَرَّمَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ الِاسْتِمْتَاعِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا ظَاهَرَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَرْطِ الزَّوَاجِ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، وَعِنْدَنَا يَكُونُ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ لَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ [ إذَا زُوِّجَهَا ] لِأَنَّهَا مِنْ نِسَائِهِ حِينَ شَرَطَ نِكَاحَهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ إذَا ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ ؛ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ إنَّمَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا الْمُعَوِّلُ عَلَى الْمَعْنَى ، وَهُوَ أَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْجِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِوَجْهٍ ، فَكَانَتْ وَاحِدَةً .
وَإِنْ عَلَّقَهُ بِعَدَدٍ ، أَصْلُهُ الْإِيلَاءُ ، وَمَا أَقْرَبُ مَا بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْإِنْصَافِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُوجَبَ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } [ فَسَمَّاهُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا ] ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ [ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَالتَّحْرِيمِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ فِي حَالِ الْحَيْضِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ ] إذَا وَقَعَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } : وَهُوَ حَرْفٌ مُشْكِلٌ ؛ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ .
وَمَحْصُولُ الْأَقْوَالِ سَبْعَةٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ ؛ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْإِمْسَاكِ .
الثَّالِثُ : الْعَزْمُ عَلَيْهِمَا ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْوَطْءُ نَفْسُهُ .
الْخَامِسُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَوْجَةً بَعْدَ الظِّهَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَاقِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ وَطْأَهَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ .
السَّابِعُ : هُوَ تَكْرِيرُ الظِّهَارِ بِلَفْظِهِ ، وَيُسْنَدُ إلَى بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ .
فَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْعَوْدُ إلَى لَفْظِ الظِّهَارِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ بُكَيْر ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَهَالَةِ دَاوُد وَأَشْيَاعِهِ .
وَقَدْ رَوَيْت قِصَصَ الْمُتَظَاهِرِينَ ، وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ ذِكْرٌ لِعَوْدِ الْقَوْلِ مِنْهُمْ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى يَنْقُضُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ إذَا أَعَدْت الْقَوْلَ الْمُحَرَّمَ وَالسَّبَبَ الْمَحْظُورَ وَجَبَتْ عَلَيْك الْكَفَّارَةُ ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعَادَةُ مِنْ قَتْلٍ وَوَطْءٍ فِي صَوْمٍ وَنَحْوِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ تَرْكُ الطَّلَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَنْقُضُهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أُمَّهَاتٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ قَالَ { ثُمَّ } وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ { ثُمَّ يَعُودُونَ } يَقْتَضِي وُجُودَ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ ، وَمُرُورُ الزَّمَانِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُنَافِي الْبَقَاءَ عَلَى الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الظِّهَارِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moosam66.yoo7.com
mousa
.
.
avatar

مصر
عدد المساهمات : 6914

مُساهمةموضوع: رد: كتاب أحكام القرآن ج20   الإثنين أغسطس 01, 2011 6:29 am

كَالْإِيلَاءِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا رَآهَا كَالْأُمِّ لَمْ يُمْسِكْهَا ؛ إذْ لَا يَصِحُّ إمْسَاكُ الْأُمِّ بِالنِّكَاحِ .
وَهَذَا عُمْدَةُ أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ .
قُلْنَا : إذَا عَزَمَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ، وَرَآهَا خِلَافَ الْأُمِّ كَفَّرَ ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ .
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعَزْمَ قَوْلٌ نَفْسِيٌّ ، وَهَذَا رَجُلٌ قَالَ قَوْلًا يَقْتَضِي التَّحْلِيلَ ، وَهُوَ النِّكَاحُ ، وَقَالَ قَوْلًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَهُوَ الظِّهَارُ ، ثُمَّ عَادَ لِمَا قَالَ ، وَهُوَ قَوْلُ التَّحْلِيلِ ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ قَوْلُ عَزْمٍ يُخَالِفُ مَا اعْتَقَدَهُ ، وَقَالَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الظِّهَارِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَفَّرَ ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ لِقَوْلِهِ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ مُحَرَّمٌ ، فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي مُوَافَقَةِ الْمُحَرَّمِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْزِمُ عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ بِمُحَلَّلٍ ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يُكَفِّرَ ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ لَمْ تَتَعَدَّدْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ .
قُلْنَا : أَمَّا الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ فَقُرْآنِيَّةٌ سُنِّيَّةٌ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْا مِنْهُمْ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي قَدْ ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي ، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ .
قَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُك اللَّهُ ، قَالَ : رَأَيْت خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ .
فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللَّهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ الظِّهَارِ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَبَنَاهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْدِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ ، فَلَا مَعْنًى لِإِعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إذَا ظَاهَرَ مُوَقِّتًا بِزَمَانٍ .
قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ مُؤَبَّدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْغُو ؛ وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ عُمُومٌ فِي الْمُؤَقَّتِ وَالْمُؤَبَّدِ .
وَإِذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهَارِ لَمْ يَرْفَعْهُ مُرُورُ الزَّمَانِ ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ رَافِعَةً لَهُ .
وَقَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَمَانًا مُؤَقَّتًا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ عَامًّا ، وَلَا انْفِصَالَ لَهُ عَنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ الرَّقَبَةِ ، وَأَنَّهَا السَّلِيمَةُ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَفِي أَنَّهَا الْمُؤْمِنَةُ لَيْسَتْ الْكَافِرَةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهَا مَنْ لَا شَائِبَةَ لِلْحُرِّيَّةِ فِيهَا ، كَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَمِيعِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُجْزِي ، فَالْمُكَاتَبَةُ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّ [ عَقْدَ ] الْحُرِّيَّةِ قَدْ ثَبَتَ لَهَا ، وَهِيَ مِنْ السَّيِّدِ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَرَجَّحْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ أَشْبَهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ مِنْهَا بِالْأَمَةِ ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا هَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ أَوْ حَالُ الْأَدَاءِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ حَالُ الْأَدَاءِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ .
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَيْضًا .
وَالثَّانِي الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ .
وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } [ فِيهِ ] يَرْتَبِطُ الْوُجُوبُ بِالْعَوْدِ ، وَفِيهِ يَرْتَبِطُ كَيْفَمَا كَانَتْ حَالَةُ الِارْتِبَاطِ ، بَيْدَ أَنَّهُ لِلْمَسْأَلَةِ حَرْفٌ جَرَى فِي أَلْسِنَةِ عُلَمَائِنَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْمَسْأَلَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَةِ صِفَةُ الْعِبَادَةِ أَوْ صِفَةُ الْعُقُوبَةِ .
وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ صِفَةَ الْعُقُوبَةِ ؛ وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا صِفَةَ الْقُرْبَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ صِفَةَ الْقُرْبَةِ فَالْقُرْبُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَالِ الْإِجْزَاءِ خَاصَّةً بِحَالِ الْأَدَاءِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، وَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْوُجُوبِ هِيَ الْحُدُودُ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَائِمًا ، ثُمَّ عَجَزَ فَقَعَدَ فِيهَا فَهَذَا مِنْ الْمُغَايِرِ لِلْقُرْبَةِ فِي الْهَيْئَاتِ ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ أَبُو الْمَعَالِي .
قُلْنَا : إنْ كَانَ الْعِتْقُ وَالصَّوْمُ جِنْسَيْنِ فَإِنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ ضِدَّانِ ، فَالْخُرُوجُ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ أَقْرَبُ مِنْ الْعُدُولِ مِنْ ضِدٍّ إلَى ضِدٍّ .
فَإِنْ قِيلَ : الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِلصَّلَاةِ ؛ فَاعْتُبِرَ حَالُ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا .
قُلْنَا : وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِحِلِّ الْمَسِيسِ ؛ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى الْمَسِيسِ اُعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَدْ بَيَّنَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْوَسَطُ مِنْ الْإِطْعَامِ ، وَهُوَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ ، وَهُوَ الشِّبَعُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَسَطَ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ : مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قِيلَ لَهُ : أَلَمْ تَكُنْ قُلْت : مُدُّ هِشَامٍ ، قَالَ : بَلَى ، وَمُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إلَيَّ .
وَكَذَلِكَ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا .
وَمُدُّ هِشَامٍ هُوَ مُدَّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَشْهَبُ : قُلْت لَهُ : أَيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
الشِّبَعُ عِنْدَنَا مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ دُونَكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَكْثَرَ مِمَّا نَأْكُلُ نَحْنُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَقَعَ الْكَلَامُ هَاهُنَا كَمَا تَرَوْنَ فِي مُدِّ هِشَامٍ ، وَدِدْت أَنْ يُهَشِّمَ الزَّمَانُ ذِكْرَهُ ، وَيَمْحُوَ مِنْ الْكُتُبِ رَسْمَهُ ؛ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي نَزَلَ الْوَحْيُ بِهَا ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا الرَّسُولُ ، وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ الظِّهَارُ وَقِيلَ لَهُمْ فِيهِ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } فَهِمُوهُ وَعَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ ، وَأَنَّهُ الشِّبَعُ ، وَقَدْرُهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَقَدِّرٌ لَدَيْهِمْ ، فَقَدْ كَانُوا يَجُوعُونَ لِحَاجَةٍ وَيَشْبَعُونَ بِسُنَّةٍ لَا بِشَهْوَةٍ [ وَمَجَاعَةٍ ] ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّبَعِ فِي الْأَخْبَارِ كَثِيرًا ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ فِي الْأَنْوَارِ ، وَاسْتَمَرَّتْ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، حَتَّى نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِ هِشَامٍ ، فَرَأَى مُدَّ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُشْبِعُهُ ، وَلَا مِثْلَهُ مِنْ حَاشِيهِ وَنُظَرَائِهِ ، فَسَوَّلَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُدًّا يَكُونُ فِيهِ شِبَعُهُ ، فَجَعَلَهُ رَطْلَيْنِ ، وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا ابْتَلَّ عَادَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ ، فَغَيَّرَ السُّنَّةَ ، وَأَذْهَبَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَا رَبَّهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ : مِثْلَ مَا بَارَكَ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ .
فَكَانَتْ الْبَرَكَةُ تَجْرِي بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدِّهِ ، فَسَعَى الشَّيْطَانُ فِي تَغْيِيرِ هَذِهِ السُّنَّةِ وَإِذْهَابِ الْبَرَكَةِ ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا هِشَامٌ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُلْغُوا ذِكْرَهُ ، وَيَمْحُوا رَسْمَهُ ، وَإِذَا لَمْ يُغَيِّرُوا أَمْرَهُ ، وَأَمَّا أَنْ يُحِيلُوا عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَيَجْعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفَسِّرًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَخَطْبٌ جَسِيمٌ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ رِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي ذِكْرِ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا بِمُدِّ هِشَامٍ .
أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ [ لِأَشْهَبَ ] : الشِّبَعُ عِنْدَنَا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ ، وَبِهَذَا أَقُولُ ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إذَا أُدِّيَتْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَنِ كَانَ أَسْرَعَ لِلْقَبُولِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَالِ كَانَ قَلِيلُهَا أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ ، وَأَبْرَكَ فِي يَدِ الْآخِذِ ، وَأَطْيَبَ فِي شِدْقِهِ ، وَأَقَلَّ آفَةً فِي بَطْنِهِ ، وَأَكْثَرَ إقَامَةً لِصُلْبِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْلُهُ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } يَقْتَضِي أَنَّ الْوَطْءَ لِلزَّوْجَةِ فِي لَيْلِ صَوْمِ الظِّهَارِ يُبْطِلُ الْكَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَطَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِعْلَهَا قَبْلِ التَّمَاسِّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّمَا يَكُونُ شَرْطُ الْمَسِيسِ فِي الْوَطْءِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ .
قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّوْمَ قَبْلَ التَّمَاسِّ ، فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ فَقَدْ [ تَعَذَّرَ كَوْنُهُ قَبْلَهُ ، فَإِذَا أَتَمَّهَا كَانَ بَعْضُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَهُ ، وَإِذَا اسْتَأْنَفَهَا ] كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ جَمِيعِهَا ، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ فِي بَعْضِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فِي جَمِيعِهَا .
قُلْنَا : هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُذَقْ طَعْمَ الْفِقْهِ ؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ الْوَاقِعَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالْمُحَلِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءُ تَعَدٍّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ بِصَوْمٍ لَا يَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ وَطْءٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ غَرِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : الْحَجْرُ عَلَى الْحُرِّ بَاطِلٌ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ السَّفِيهِ وَالرَّشِيدِ .
وَهَذَا فِقْهٌ ضَعِيفٌ لَا يُنَاسِبُ قَدْرَهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، وَقَدْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْحَجْرِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشِيًا ، وَالنَّظَرُ يَقْتَضِيهِ .
وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجْرٌ لِصِغَرٍ أَوْ لِوِلَايَةٍ ، وَبَلَغَ سَفِيهًا قَدْ نُهِيَ عَنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ فَكَيْفَ يَنْفُذُ فِعْلُهُ فِيهِ ؟ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْك بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّقَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْيَهُودُ ، كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ : السَّامُ عَلَيْك ؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ السَّلَامَ ظَاهِرًا ، وَهُمْ يَعْنُونَ الْمَوْتَ بَاطِنًا ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ [ فِي رِوَايَةٍ ] ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ .
وَكَانُوا يَقُولُونَ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مَا أَمْهَلَنَا اللَّهُ بِسِبِّهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ ؛ وَجَهِلُوا أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى حَلِيمٌ لَا يُعَاجِلُ مَنْ سَبَّهُ ، فَكَيْفَ مَنْ سَبَّ نَبِيَّهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا أَحَدَ أَصَبْرُ عَلَى الْأَذَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ ، وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا كَشْفًا لِسَرَائِرِهِمْ ، وَفَضْحًا لِبَوَاطِنِهِمْ ، وَمُعْجِزَةً لِرَسُولِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا شَرْحَ هَذَا فِي مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : قَالَ كَذَا ؛ رُدُّوهُ عَلَيَّ ، فَرَدُّوهُ .
قَالَ : قُلْت : السَّامُ عَلَيْكُمْ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : عَلَيْك مَا قُلْت } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى

: { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَفْسِيرِ الْمَجْلِسِ : فِيهِ أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
وَكَانَ قَوْمٌ إذَا أَخَذُوا فِيهِ مَقَاعِدَهُمْ شَحُّوا عَلَى الدَّاخِلِ أَنْ يَفْسَحُوا لَهُ .
وَلَقَدْ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْكَرَامِيُّ بِهَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْر الْغَلَّابِيُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ [ عَنْ أَنَسٍ ] قَالَ : { بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ إذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَقَفَ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَظَرَ مَجْلِسًا يُشْبِهُهُ ؛ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ أَيِّهِمْ يُوَسِّعُ لَهُ ؛ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ جَالِسًا عَلَى يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَحْزَحَ لَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ ، وَقَالَ : هَا هُنَا يَا أَبَا الْحَسَنِ ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ : فَرَأَيْنَا السُّرُورَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ؛ إنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ ذَوُو الْفَضْلِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَسْجِدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَجْلِسُ الذِّكْرِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مَوْقِفُ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْقِتَالِ .

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَمِيعَ مُرَادٌ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، وَالتَّفَسُّحُ وَاجِبٌ فِيهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا جَلَسُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ أَطَالُوا ، يَرْغَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يَرْتَفِعُوا .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْأَمْرُ بِالِارْتِفَاعِ إلَى الْقِتَالِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ ؛ قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْخَيْرُ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْفُسْحَةُ كُلُّ فَرَاغٍ بَيْنَ مَلَأَيْنِ .
وَالنَّشْزُ : مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ .
ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِلَفْظِهِ وَحَقِيقَتِهِ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ لِلثَّانِي فِي الِارْتِفَاعِ ؛ فَصَارَ مَجَازًا فِي اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ كَيْفِيَّةُ التَّفَسُّحِ فِي الْمَجَالِسِ مُشْكِلَةٌ ، وَتَفَاصِيلُهَا كَثِيرَةٌ : الْأَوَّلُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْسَحُ فِيهِ بِالْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسِّنِّ .
الثَّانِي مَجْلِسُ الْجُمُعَاتِ يُتَقَدَّمُ فِيهِ بِالْبُكُورِ إلَّا مَا يَلِي الْإِمَامَ ، فَإِنَّهُ لِذَوِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى .
الثَّالِثُ : مَجْلِسُ الذِّكْرِ يَجْلِسُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ .
الرَّابِعُ مَجْلِسُ الْحَرْبِ يَتَقَدَّمُ فِيهِ ذَوُو النَّجْدَةِ وَالْمِرَاسِ مِنْ النَّاسِ .
الْخَامِسُ مَجْلِسُ الرَّأْيِ وَالْمُشَاوَرَةِ يَتَقَدَّمُ فِيهِ مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِالشُّورَى ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ : { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } فَيَرْتَفِعُ الْمَرْءُ بِإِيمَانِهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ثَانِيًا .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُقَدِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الصَّحَابَةِ ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَدَعَاهُمْ وَدَعَاهُ ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَفْسِيرِ { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فَسَكَتُوا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ إيَّاهُ .
فَقَالَ عُمَرُ : مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْآيَةَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَجَالِسِنَا هَذِهِ ، وَإِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْهُ : إنَّ قَوْلَهُ : { يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } الصَّحَابَةَ { وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَالِمَ وَالطَّالِبَ لِلْحَقِّ .
وَالْعُمُومُ أَوْقَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَأَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الْأَنْمَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دِينَارٌ ؛ قُلْت : لَا يُطِيقُونَهُ .
قَالَ : نِصْفُ دِينَارٍ .
قُلْت : لَا يُطِيقُونَهُ .
قَالَ : فَكَمْ ؟ قُلْت : شَعِيرَةٌ .
قَالَ إنَّك لَزَهِيدٌ .
فَنَزَلَتْ : { أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَاتٍ } قَالَ : فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ أُصُولِيَّتَيْنِ : الْأُولَى نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا .
الثَّانِيَةُ النَّظَرُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ بِالْقِيَاسِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : شَعِيرَةٌ .
يُرِيدُ وَزْنَ شَعِيرَةٍ [ مِنْ ذَهَبٍ ] .
وَقَدْ رُوِيَ [ عَنْ ] مُجَاهِدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَصَدَّقَ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ ، وَنَاجَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ [ أَنَّهُ تَصَدَّقَ ] بِخَاتَمٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ .
وَقَدْ سَرَدَ الْمَسْأَلَةَ كَمَا يَجِبُ أَسْلَمُ فِي رِوَايَةِ زَيْدٍ ابْنِهِ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مُنَاجَاتَهُ .
يُرِيدُ لَا يَسْأَلُهُ حَاجَةً إلَّا نَاجَاهُ بِهَا مِنْ شَرِيفٍ أَوْ دَنِيءٍ ؛ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَأْتِيهِ فَيُنَاجِيهِ ، كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ حَوْلَهُ .
فَيَقُولُ لَهُ : أَتَدْرُونَ لِمَ نَاجَى فُلَانٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ إنَّمَا نَاجَاهُ ؛ لِأَنَّ جُمُوعًا [ كَثِيرَةً ] مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ قَدْ خَرَجُوا لِيُقَاتِلُوكُمْ .
قَالَ : فَيُحْزِنُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : إنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سَمَّاعَةٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ يُنَاجِيهِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } .
وَقَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ إنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ الْمُنَاجَاةِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } لِيَنْتَهِيَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَنْ مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَرَفَ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ لَا يُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاهُمْ صَدَقَةً ؛ فَانْتَهَى أَهْلُ الْبَاطِلِ عَنْ النَّجْوَى ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : لَا نُطِيقُهُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَنَسَخَتْهَا آيَةُ : {
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } .
وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ زَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } [ ثُمَّ نَسَخَهُ مَعَ كَوْنِهِ خَيْرًا وَأَطْهَرَ ] .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ عَظِيمٌ فِي الْتِزَامِ الْمَصَالِحِ ؛ لَكِنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدٍ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْعُلَمَاءُ .
وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : { ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ؛ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَبُوهُ الْجَرَّاحُ يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَةَ ، فَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَصَدَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَتَلَ أَبَاهُ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَا تُجَالِسْ الْقَدَرِيَّةَ وَعَادَهُمْ فِي اللَّهِ لِقَوْلِ الْآيَةِ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كَلَامِنَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ بَدَائِعَ اسْتِنْبَاطِ مَالِكٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ كَانَ حَفِيًّا بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ غَرِيًّا بِالْمُبْتَدِعَةِ يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ جَانِبَ الْحُجَّةِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَمِنْ أَجْلِهِ أَخَذَهُ لَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَدَّعِي أَنَّهَا تَخْلُقُ كَمَا يَخْلُقُ اللَّهُ ، وَأَنَّهَا تَأْتِي بِمَا يَكْرَهُ اللَّهُ وَلَا يُرِيدُهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَجُوسِيًّا نَاظَرَ قَدَرِيًّا ، فَقَالَ الْقَدَرِيُّ لِلْمَجُوسِيِّ : مَالَك لَا تُؤْمِنُ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَآمَنْت .
قَالَ لَهُ الْقَدَرِيُّ : قَدْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَصُدُّك .
قَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : فَدَعْنِي مَعَ أَقْوَاهُمَا .
سُورَةُ الْحَشْرِ [ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ آيَةً ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : سُورَةُ الْحَشْرِ ؟ قَالَ : قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ ، وَهُمْ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلُوا الْمَدِينَةَ فِي فَنَنِ بَنِي إسْرَائِيلَ انْتِظَارًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : جَلَاءُ الْيَهُودِ .
الثَّانِي : إلَى الشَّامِ ؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ الْمَحْشَرِ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ ، وَالْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : قَالَ قَتَادَةُ : أَوَّلُ الْحَشْرِ نَارٌ تَسُوقُ النَّاسَ إلَى الْمَغَارِبِ ، وَتَأْكُلُ مَنْ خُلِّفَ [ فِي الدُّنْيَا ] .
وَنَحْوُهُ رَوَى وَهْبٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكٍ : هُوَ جَلَاؤُهُمْ عَنْ دَارِهِمْ ؟ فَقَالَ لِي : الْحَشْرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَشْرُ الْيَهُودِ ؛ قَالَ : وَإِجْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إلَى خَيْبَرَ حِينَ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَكَتَمُوهُ فَاسْتَحَلَّهُمْ بِذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لِلْحَشْرِ أَوَّلٌ وَوَسَطٌ وَآخِرٌ ؛ فَالْأَوَّلُ إجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ ، وَالْأَوْسَطُ إجْلَاءُ خَيْبَرَ ، وَالْآخِرُ حَشْرُ الْقِيَامَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي وَقْتِهَا : قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ : كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ : كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ ، وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ ، وَكَانَتْ عَلَى يَدَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، وَاخْتَارَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا قَبْلَ أُحُدٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } : وَثِقُوا بِحُصُونِهِمْ ، وَلَمْ يَثِقُوا بِاَللَّهِ لِكُفْرِهِمْ ، فَيَسَّرَ اللَّهُ مَنَعَتَهُمْ ، وَأَبَاحَ حَوْزَتَهُمْ .
وَالْحِصْنُ هُوَ الْعُدَّةُ وَالْعِصْمَةُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ : وَلَقَدْ عَلِمْت عَلَى تَوَقِّي الرَّدَى أَنَّ الْحُصُونَ الْخَيْلُ لَا مُدُنُ الْقُرَى يَخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الْقَتَامِ عَوَابِسَا كَأَنَامِلِ الْمَقْرُورِ أَقْعَى فَاصْطَلَى وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي إصَابَةِ الْمَعْنَى ، فَقَالَ : وَإِنْ بَاشَرَ الْأَصْحَابُ فَالْبِيضُ وَالْقَنَا قِرَاهُ وَأَحْوَاضُ الْمَنَايَا مَنَاهِلُهُ وَإِنْ يَبْنِ حِيطَانًا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أُولَئِكَ عِقَالَاتُهُ لَا مَعَاقِلُهُ وَإِلَّا فَأَعْلِمْهُ بِأَنَّك سَاخِطٌ وَدَعْهُ فَإِنَّ الْخَوْفَ لَا شَكَّ قَاتِلُهُ
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ } : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، فَكَيْفَ لَا يُنْصَرُ بِهِ مَسِيرَةَ مَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَحَلَّةِ بَنِي النَّضِيرِ .
وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } : فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يُخْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ بِنَقْضِ الْمُوَادَعَةِ ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُقَاتَلَةِ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الثَّانِي : بِأَيْدِيهِمْ فِي تَرْكِهِمْ لَهَا ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فِي إجْلَائِهِمْ عَنْهَا ؛ قَالَهُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .
الثَّالِثُ بِأَيْدِيهِمْ دَاخِلَهَا ، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ خَارِجَهَا ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ .
الرَّابِعُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا هَدَمُوا بَيْتًا مِنْ خَارِجِ الْحِصْنِ هَدَمُوا بُيُوتَهُمْ يَرْمُونَهُمْ مِنْهَا .
الْخَامِسُ كَانُوا يَحْمِلُونَ مَا يُعْجِبُهُمْ فَذَلِكَ خَرَابُ أَيْدِيهِمْ .
وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : أَنَّ التَّنَاوُلَ لِلْإِفْسَادِ إذَا كَانَ بِالْيَدِ كَانَ حَقِيقَةً ، وَإِنْ كَانَ بِنَقْضِ الْعَهْدِ كَانَ مَجَازًا ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَجَازِ أَمْثَلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ هَدْمَهَا ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ جَلَاءَهُمْ عَنْهَا ؛ وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يُعَضِّدُهَا لُغَةٌ وَلَا حَقِيقَةٌ ، وَالتَّضْعِيفُ بَدِيلُ الْهَمْزَةِ فِي الْأَفْعَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } : وَهِيَ كَلِمَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، وَمِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ اعْتَصَمُوا بِالْحُصُونِ دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَنْزَلَهُمْ اللَّهُ مِنْهَا ، وَمِنْ وُجُوهِهِ أَنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ يَرْجُوهُمْ ، وَمِنْ وُجُوهِهِ أَنَّهُمْ هَدَمُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ .
وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِغَيْرِهِ اعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ ، وَمِنْ الْأَمْثَالِ الصَّحِيحَةِ : السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ .
يَعْنِي نَقَضُوا الْعَهْدَ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُمْ صَارُوا فِي شِقٍّ ، أَيْ جِهَةٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَى ، وَذِكْرُ اللَّهِ مَعَ رَسُولِهِ تَشْرِيفٌ لَهُ ، وَكَانَ نَقْضُهُمْ الْعَهْدَ لِخَبَرٍ ؛ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةٍ ، فَقَعَدَ فِي ظِلِّ جِدَارٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَيْهِ رَحًى ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ ، فَقَامَ وَانْصَرَفَ ؛ وَبِذَلِكَ اسْتَحَلَّهُمْ وَأَجَلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ ، وَصَفِيَّةُ مِنْهُمْ سَبَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ .
قَالَ : فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجَلَاهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَالصَّفْرَاءِ ، وَالْبَيْضَاءِ ، وَالْحَلْقَةِ ، وَالدِّنَانِ ، وَمِسْكِ الْجَمَلِ } .
فَالصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ .
وَالْحَلْقَةُ : السِّلَاحُ .
وَالدِّنَانُ : الْفَخَّارُ .
وَمِسْكُ الْجَمَلِ : جُلُودٌ يُسْتَقَى فِيهَا الْمَاءُ بِشَعْرِهَا .
{ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِمْ : يَا أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ ، يَا إخْوَةَ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : فَقَالُوا : مَهْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَمَا كُنْت فَحَّاشًا .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إضْمَارَ الْخِيَانَةِ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ قَوْلًا [ فَيَنْتَقِضُ قَوْلًا ] ، وَالْعَقْدُ إذَا ارْتَبَطَ بِالْقَوْلِ انْتَقَضَ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ ، وَإِذَا ارْتَبَطَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَنْتَقِضْ إلَّا بِالْفِعْلِ ، كَالنِّكَاحِ يَرْتَبِطُ بِالْقَوْلِ وَيَنْحَلُّ بِالْقَوْلِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ، وَبِالْفِعْلِ ، وَهُوَ الرَّضَاعُ .
وَعِتْقُ الْمِدْيَانِ يَنْعَقِدُ
بِالْقَوْلِ ، وَيُنْقِضُهُ الْحَاكِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يُنْقِضُهُ الْقَوْلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ كَيْفِيَّةَ نَقْضِ الْعَهْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا تَحَقَّقَ نَقْضُ الْعَهْدِ فَلِمَ بَعَثَ إلَيْهِمْ اُخْرُجُوا مِنْ بِلَادِي ؟ وَلِمَ لَمْ يَأْخُذْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : قَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } .
فَإِنَّ قِيلَ : هَذَا مَا خَانَهُ ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ بِخَبَرِ اللَّهِ عَنْهُ .
قُلْنَا : الْخَوْفُ هَاهُنَا الْوُقُوعُ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْخَوْفِ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ عَاقِدٍ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وَحْدَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَشْهُورًا ، وَسَاقَهُ اللَّهُ إلَى مَا كَتَبَ مِنْ الْجَلَاءِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَقَطَعَ ؛ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ } ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : لَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَتْ النَّاسُ فِي تَخْرِيبِ دَارِ الْعَدُوِّ وَحَرْقِهَا وَقَطْعِ ثِمَارِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
الثَّانِي : إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ، وَإِنْ يَيْأَسُوا فَعَلُوا ؛ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ ، وَعَلَيْهِ تَنَاظُرُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ لَهُ ، وَلَكِنَّهُ قَطَعَ وَحَرَقَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نِكَايَةً لَهُمْ وَوَهْنًا فِيهِمْ ، حَتَّى يَخْرُجُوا عَنْهَا ، فَإِتْلَافُ بَعْضِ الْمَالِ لِصَلَاحِ بَاقِيهِ مَصْلَحَةٌ جَائِزَةٌ شَرْعًا مَقْصُودَةٌ عَقْلًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّوْعِ الَّذِي قُطِعَ ، وَهُوَ اللِّينَةُ ، عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ النَّخْلُ كُلُّهُ ، وَإِلَّا الْعَجْوَةَ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْخَلِيلُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ النَّخْلُ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَرَائِمُ النَّخْلِ ؛ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ الْعَجْوَةُ خَاصَّةً ؛ قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ .
الْخَامِسُ أَنَّهَا النَّخْلُ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moosam66.yoo7.com
mousa
.
.
avatar

مصر
عدد المساهمات : 6914

مُساهمةموضوع: رد: كتاب أحكام القرآن ج20   الإثنين أغسطس 01, 2011 6:30 am

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { مَا أَفَاءَ اللَّهُ } : يُرِيدُ مَا رَدَّ اللَّهُ .
وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْوَالَ فِي الْأَرْضِ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْكُفَّارُ مِنْ اللَّهِ بِالذُّنُوبِ عَدْلًا ، فَإِذَا رَحِمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ رَجَعَتْ فِي طَرِيقِهَا ذَلِكَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فَيْئًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } : الْإِيجَافُ : ضَرْبٌ مِنْ السَّيْرِ .
وَالرِّكَابُ : اسْمٌ لِلْإِبِلِ خَاصَّةً عُرْفًا لُغَوِيًّا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُشْتَقًّا مِنْ الرُّكُوبِ ، وَيَشْتَرِكُ غَيْرُهَا مَعَهَا فِيهَا ، وَلَكِنْ لِلْعُرْفِ احْتِكَامٌ فِي اخْتِصَاصِ بَعْضِ الْمُشْرَكَاتِ بِالِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } : الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَإِنْ كَانَتْ فَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهَا لِرَسُولِهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا كَانَ بِرُعْبٍ أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ ، دُونَ عَمَلٍ مِنْ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّفُوا سَفَرًا ، وَلَا تَجَشَّمُوا رِحْلَةً ، وَلَا صَارُوا عَنْ حَالَةٍ إلَى غَيْرِهَا ، وَلَا أَنْفَقُوا مَالًا ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاخْتِصَاصِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ الْفَيْءِ ، وَأَفَادَ الْبَيَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ مِنْ النَّاسِ فِي مُحَاصَرَتِهِمْ لَغْوٌ لَا يَقَعُ الِاعْتِدَادُ بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِهَا .
رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ { أَنَّ عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ لَمَّا طَلَبَا عُمَرَ بِمَا كَانَ فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَالِ ، وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدٍ ، قَالَ لَهُمْ عُمَرُ : أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ بِسَهْمٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ، وَقَرَأَ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا ، وَاَللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ .
وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ؛ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبُثُّهَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ خَصَّهُ بِهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَاهَا الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً ، وَمِنْ الْأَنْصَارِ لِأَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ [ وَالْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ] لِحَاجَةٍ كَانَتْ بِهِمْ ، وَفِي آثَارٍ
كَثِيرَةٍ بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَمَامُ الْكَلَامِ : فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَحُذِفَتْ اخْتِصَارًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، وَهَذِهِ الْآيَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي قُوتِلَتْ ، فَأَفَاءَ اللَّهُ بِمَالِهَا ؛ فَهِيَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
الثَّانِي هُوَ مَا غَنِمْتُمْ بِصُلْحٍ مِنْ غَيْرِ إيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَيَكُونُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ فِيهِ ، وَالْأُولَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، إذَا أَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ كَانَ الْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .
الثَّالِثُ : قَالَ مَعْمَرٌ : الْأُولَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّانِيَةُ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَالثَّالِثَةُ الْغَنِيمَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِلْغَانِمِينَ .
الرَّابِعُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } هِيَ النَّضِيرُ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا خُمُسٌ ، وَلَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، كَانَتْ صَافِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ .
وقَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } هِيَ قُرَيْظَةُ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالْخَنْدَقُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
هَذَا لُبَابُ الْأَقْوَالِ الْوَارِدَةِ ؛ وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ السُّورَةَ سُورَةُ النَّضِيرِ ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِيهَا آيَاتُ بَنِي النَّضِيرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِيهَا بِالْعُمُومِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ وَفَعَلَ فِعْلَهُمْ ، وَفِيهَا آيَتَانِ : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } .
وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } .
وَفِي الْأَنْفَالِ آيَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهِيَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ } .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ هِيَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ أَوْ مَعْنَيَانِ ؟ وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ : أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَهِيَ قَوْلُهُ : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } يُرِيدُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ : إنَّهَا كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، فَهَذِهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَعْنًى مُتَّحِدٌ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } .
وَهَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ لِمُسْتَحِقٍّ غَيْرِ الْأَوَّلِ ، وَسَمَّى الْآيَةَ الثَّالِثَةَ آيَةَ الْغَنِيمَةِ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَعْنًى آخَرُ بِاسْتِحْقَاقٍ ثَانٍ لِمُسْتَحِقٍّ آخَرَ ، بَيْدَ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ اشْتَرَكَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَضَمَّنَتْ شَيْئًا أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَاقْتَضَتْ الْآيَةُ الْأُولَى أَنَّهُ حَاصِلٌ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، وَاقْتَضَتْ آيَةُ الْأَنْفَالِ أَنَّهُ حَاصِلٌ بِقِتَالِ ، وَعُرِّيَتْ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } عَنْ ذِكْرِ حُصُولِهِ لِقِتَالٍ أَوْ لِغَيْرِ قِتَالٍ ؛ فَنَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ هَاهُنَا ، فَمِنْ طَائِفَةٍ قَالَتْ : هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْأُولَى ، وَهُوَ مَالُ الصُّلْحِ كُلُّهُ وَنَحْوُهُ .
وَمِنْ طَائِفَةٍ قَالَتْ : هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالثَّانِيَةِ ؛ وَهِيَ آيَةُ الْأَنْفَالِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ اخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ مُحْكَمَةٌ ؟ وَإِلْحَاقُهَا بِشَهَادَةِ اللَّهِ بِالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ فَائِدَةٍ وَمَعْنًى .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَمْلَ الْحَرْبِ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى فَائِدَةٍ مُعَادَةٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَظِّمُ لَك شَتَاتَ الرَّأْيِ ، وَيُحْكِمُ الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ وَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إلَى هَذَا الْقَدْرِ فَيَقُولُ مَالِكٌ : إنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَعْنَاهَا يَعُودُ إلَى آيَةِ الْأَنْفَالِ وَيَلْحَقُهَا النَّسْخُ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِالْإِحْكَامِ ، وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُ إلَّا مَا قَسَّمْنَا وَبَيَّنَّا أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَهَا مَعْنًى مُجَدَّدٌ حَسْبَمَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمَعْنَى ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهَا مَا أَعْطَاكُمْ مِنْ الْفَيْءِ ، وَمَا مَنَعَكُمْ مِنْهُ فَلَا تَطْلُبُوهُ .
الثَّانِي : مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ الْغُلُولِ فَلَا تَأْتُوهُ .
الثَّالِثُ : مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي فَافْعَلُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِي فَاجْتَنِبُوهُ .
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ لِعُمُومِهِ تَنَاوَلَ الْكُلَّ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِيهِ مُرَادٌ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَقَعَ الْقَوْلُ هَاهُنَا مُطْلَقًا بِذَلِكَ ، وَقَيَّدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا أَمَرَ النَّبِيُّ بِأَمْرٍ كَانَ شَرْعًا ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا وَلِذَلِكَ قَالَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ الَّذِي افْتَدَى مِنْ الْجَلْدِ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ : { أَمَّا غَنَمُك فَرَدٌّ عَلَيْك وَجَلْدُ ابْنِك مِائَةً وَتَغْرِيبُهُ عَامًا } .
وَتَرَدَّدَتْ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ عُظْمَى بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ وَهِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَ فِي عَقْدٍ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَازْدَحَمَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ ؛ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ ، وَيُفْسَخُ بِكُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ؛ أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا فِي الْأَحْبَاسِ وَالْهِبَاتِ فَيَحْتَمِلُ كَثِيرًا مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْأَخْطَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِيهَا ، حَتَّى قَالَ أَصْبَغُ : إنَّ مَا لَا يَجُوزُ إذَا دَخَلَ فِي الصُّلْحِ مَعَ مَا يَجُوزُ مَضَى الْكُلُّ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَمْضِي إنْ طَالَ .
وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَائِنَا : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَهُوَ كَالْبَيْعِ .
وَأَمَّا إنْ وَقَعَ النَّهْيُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : يُفْسَخُ أَبَدًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ ، فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ تَأْصِيلًا ، وَفِي فُرُوعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَفْصِيلًا بَنَيْنَاهُ عَلَى تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَالْمَعْنَى وَالرَّدِّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا فَسْخُ الْفَاسِدِ أَبَدًا حَيْثُمَا وَقَعَ ، وَكَيْفَمَا وُجِدَ ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا

لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } وَإِنْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِيتَاءِ وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } فَقَابَلَهُ بِالنَّهْيِ ، وَلَا يُقَابِلُ النَّهْيَ إلَّا الْأَمْرُ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَهْمِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ ، وَالْمُسْتَوْشِمَات ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ } .
فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ : إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ ؟ فَقَالَ : وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْت فِيهِ مَا تَقُولُ .
قَالَ : لَئِنْ كُنْت قَرَأْته لَقَدْ وَجَدْته ؛ أَمَا قَرَأْت : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } .
قَالَتْ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ الْخَلْقُ بِأَجْمَعِهِمْ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ طُرِدَ ، وَنَصَرُوهُ حِينَ خُذِلَ ، فَلَا مِثْلَ لَهُمْ وَلَا لِأَجْرِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا وَهُوَ يَذْكُرُ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْآفَاقِ فَقَالَ : إنَّ الْمَدِينَةَ تُبُوِّئَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ ، وَإِنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرَى اُفْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ } الْآيَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى كُلِّ بُقْعَةٍ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ ، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ ، بَيْدَ أَنَّ الْقَارِئَ رُبَّمَا تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِنُكْتَةٍ كَافِيَةٍ فِي ذَلِكَ مُغْنِيَةٍ عَنْ التَّطْوِيلِ ، فَيُقَالُ لَهُ : إنْ أَرَدْت الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ فَاتْلُ مَنَاقِبَ مَكَّةَ إلَى آخِرِهَا ، فَإِذَا اسْتَوْفَيْتهَا قُلْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الصَّحِيحِ : { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَأَنَا أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ } ؛ فَقَدْ جَعَلَ حُرْمَةَ الْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ حُرْمَةِ مَكَّةَ .
وَقَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ : أُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَبِالْأَنْصَارِ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ .
وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } يَعْنِي لَا يَحْسُدُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى مَا خُصُّوا بِهِ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ كَذَا قَالَ النَّاسُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ : وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا إذَا كَانَ قَلِيلًا ؛ بَلْ يَقْنَعُونَ بِهِ ، وَيَرْضَوْنَ عَنْهُ .
وَقَدْ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حِينَ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُنْيَا ، ثُمَّ كَانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقَدْ أَنْذَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] وَقَالَ : { سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } : فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : نَوِّمِي الصِّبْيَةَ ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَك ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
مُخْتَصَرٌ ، وَتَمَامُهُ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَصَابَنِي الْجَهْدُ ؛ فَأَرْسَلَ إلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لَا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا .
فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي سِوَى قُوتِ الصِّبْيَةِ .
قَالَ : فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ ، وَأَنْزَلَ : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } } .
وَرُوِيَ { أَنَّ النَّضِيرَ لَمَّا اُفْتُتِحَتْ أَرْسَلَ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَ : جِئْنِي بِقَوْمِك .
قَالَ : الْخَزْرَجُ .
قَالَ : الْأَنْصَارُ ، فَدَعَاهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَاسَوْا الْمُهَاجِرِينَ بِدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : إنْ شِئْتُمْ أَشْرَكْتُكُمْ فِيهَا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَإِنْ شِئْتُمْ خَصَصْتُهُمْ بِهَا ، وَكَانَتْ لَكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَدِيَارُكُمْ ؛ فَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ : بَلْ نَخُصُّهُمْ بِهَا وَيَبْقَوْنَ عَلَى مُوَاسَاتِنَا
لَهُمْ ؛ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ } .
الْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ : { كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْإِيثَارُ بِالنَّفْسِ فَوْقَ الْإِيثَارِ بِالْمَالِ ، وَإِنْ عَادَ إلَى النَّفْسِ وَمِنْ الْأَمْثَالِ السَّائِرَةِ : وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ وَمِنْ عِبَارَاتِ الصُّوفِيَّة فِي حَدِّ الْمَحَبَّةِ : إنَّهَا الْإِيثَارُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ لَمَا تَنَاهَتْ فِي حُبِّهَا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ آثَرَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا بِالتَّبْرِئَةِ ، فَقَالَتْ : { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ } .
وَأَفْضَلُ الْجُودُ بِالنَّفْسِ الْجُودُ عَلَى حِمَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ فَيَرَى الْقَوْمَ ، فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ : لَا تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا يُصِيبُونَك ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِك .
وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُلَّتْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْإِيثَارُ هُوَ تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَى النَّفْسِ فِي حُظُوظِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِي الْحُظُوظِ الدِّينِيَّةِ ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ قُوَّةِ النَّفْسِ ، وَوَكِيدِ الْمَحَبَّةِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَشَقَّةِ ؛ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُؤْثَرِينَ ؛ كَمَا رُوِيَ فِي الْآثَارِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَالَهُ وَمِنْ عُمَرَ نِصْفَ مَالِهِ ، وَرَدَّ أَبَا لُبَابَةَ وَكَعْبًا إلَى الثُّلُثِ ، لِقُصُورِهِمَا عَنْ دَرَجَتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؛ إذْ لَا خَيْرَ لَهُ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَنْدَمَ ، فَيُحْبِطُ أَجْرَهُ نَدَمُهُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الشُّحِّ وَالْبُخْلِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُمَا مَعْنَيَانِ : فَالْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقُ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ، فَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَيُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ } .
وَالشُّحُّ : مَنْعُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ ؛ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ؛ فَذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ذَهَابِ الشُّحِّ ؛ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُفَسَّرُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَوْ مَعْنًى يُعَبَّرُ عَنْهُ بِحَرْفَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ يُوضَعُ مَوْضِعَ صَاحِبِهِ جَمْعًا أَوْ فَرْقًا ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَمْ يَقُمْ هَاهُنَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّك رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَعْيِينِ هَؤُلَاءِ .
وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ ذَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ وَالْأُمَمِ وَمِنْ الصَّحَابَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ التَّابِعُونَ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَوَاهُ عَنْهُ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمَا ؛ قَالُوا : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْفَيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moosam66.yoo7.com
 
كتاب أحكام القرآن ج20
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مصر اسلامية  :: سلة المحزوفات-
انتقل الى: