قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ التوبة (51)
 
الرئيسيةمحرك بحثاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَاالْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ الرعد (35)

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِفَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ آل عمران (103)

اختر لغة الموقع من هنا
أختر لغة المنتدى من هنا
ناشونال جرافيك
الجزيرة - مباشر مصر
الجزيرة نت
الجزيرة america
الاخوان المسلمون
cnn english
جريدة الشعب
احرار 25
شبكة رصد الاخبارية
الجزيرة الوثائقية
CNN بالعربية
المواضيع الأخيرة
» خطبة عيد الفطر 2016(صلة الرحم ) للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري برقم 1045
السبت يناير 28, 2017 9:02 am من طرف mousa

» حدوتة مصرية وفقرة عن مناسك الحج وكيفية الاستعداد لها
السبت يناير 28, 2017 9:01 am من طرف mousa

» خطبة الحقوق المتكافئة ويوم عرفه للشيخ أسامةموسى عبدالله الأزهري برقم
السبت يناير 28, 2017 8:59 am من طرف mousa

» فضل الحج والعشر ويوم عرفة للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري قناة النيل الثقافية
السبت يناير 28, 2017 8:57 am من طرف mousa

» الأضحية ومايتعلق بها(للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري برقم
السبت يناير 28, 2017 8:55 am من طرف mousa

» الهجرة النبوية اسباب ودروس للشيخ اسامه موسي عبدالله الازهري بتاريخ 3 10 2016
السبت يناير 28, 2017 8:53 am من طرف mousa

» خطبة العيد التضحية والاضحية 2016 للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري
السبت يناير 28, 2017 8:52 am من طرف mousa

» درس حق الزوجة للشيخ أسامة موسى عبدالله الأزهري
السبت يناير 28, 2017 8:50 am من طرف mousa

» خطبة الخطبة الهجرة النبويةوالبناء والأخلاق للشيخ أسامة موسى عبدلله الأزهري 2016
السبت يناير 28, 2017 8:48 am من طرف mousa

المهندس محمد موسى











شاطر | 
 

 كتاب أحكام القرآن ج22

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mousa
.
.
avatar

مصر
عدد المساهمات : 6914

مُساهمةموضوع: كتاب أحكام القرآن ج22   الإثنين أغسطس 01, 2011 6:02 am

هَذَا الطُّرْطُوشِيُّ فَقِيهُ الْوَقْتِ .
فَقَالُوا لِي : وَلِمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ؟ فَقُلْت : كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ .
وَجَعَلْت أُسَكِّنُهُمْ وَأُسْكِتُهُمْ ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَقُمْت مَعَهُ إلَى الْمَسْكَنِ مِنْ الْمُحْرِسِ ، وَرَأَى تَغَيُّرَ وَجْهِي ، فَأَنْكَرَهُ ، وَسَأَلَنِي فَأَعْلَمْته فَضَحِكَ ، وَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لِي أَنْ أُقْتَلَ عَلَى سُنَّةٍ ، فَقُلْت لَهُ : وَلَا يَحِلُّ لَك هَذَا فَإِنَّك بَيْنَ قَوْمٍ إنْ قُمْت بِهَا قَامُوا عَلَيْك ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُك .
فَقَالَ : دَعْ هَذَا الْكَلَامَ وَخُذْ فِي غَيْرِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : { صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ يَعْنِي الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فَسَجَدَ فِيهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ مَا كُنَّا نَسْجُدُهَا .
قَالَ : سَجَدَهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا خَلْفَهُ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ } .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْجُدُ فِيهَا مَرَّةً ، وَمَرَّةً لَا يَسْجُدُ ، كَأَنَّهُ لَا يَرَاهَا مِنْ الْعَزَائِمِ عَزَائِمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّحِيحَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [ بِغَيْبِهِ وَأَحْكُمُ ] .
سُورَةُ الْبُرُوجِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الشَّاهِدُ فَاعِلٌ مِنْ شَهِدَ ، وَالْمَشْهُودُ مَفْعُولٌ مِنْهُ ، وَلَمْ يَأْتِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِعَيْنِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ .
وَقَدْ رَوَى عَبَّادُ بْنُ مَطَرٍ الرَّهَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قَالَ : الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اللَّهَ وَرُسُلَهُ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ .
وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ ، وَالْمَشْهُودُ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ ، وَيَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَيَّامَ الْمَنَاسِكِ كُلَّهَا ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ إلَى التَّخْصِيصِ سَبِيلٌ بِغَيْرِ أَثَرٍ صَحِيحٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ اللَّهَ فَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ وَمُتَعَلَّقَهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى ، وَإِذَا كَانَ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وَهَذَا إذَا تَتَبَّعْته بِالْأَخْبَارِ وَجَدْته كَثِيرًا فِي جَمَاعَةٍ .
وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَعَلَّقَهُ بِكُلِّ مَشْهُودٍ فِيهِ ، وَمَشْهُودٍ عَلَيْهِ ، وَمَشْهُودٍ بِهِ ، حَسْبَ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ بِأَقْسَامِ الْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَحِيحٌ سَائِغٌ لُغَةً وَمَعْنًى ، فَاحْمِلْهُ عَلَيْهِ وَعَمِّمْهُ فِيهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ثَبَتَ عَنْ صُهَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ : قَدْ كَبِرْت ، فَابْعَثْ لِي غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إذَا سَلَكَ رَاهِبٌ قَعَدَ إلَيْهِ ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ ، وَأَعْجَبَهُ ، فَكَانَ إذَا أَتَى السَّاحِرُ مَرَّ بِالرَّاهِبِ ، فَقَعَدَ إلَيْهِ ، وَإِذَا أَتَى السَّاحِرُ ضَرَبَهُ ، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى الرَّاهِبِ ، فَقَالَ : إذَا خَشِيت السَّاحِرَ فَقُلْ : حَبَسَنِي أَهْلِي ، وَإِذَا خَشِيت أَهْلَك فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ ، فَقَالَ : الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا ، وَمَضَى النَّاسُ ؛ فَأَتَى إلَى الرَّاهِبِ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : أَيْ بُنَيَّ ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي ، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِك مَا أَرَى ، وَإِنَّك سَتُبْتَلَى ، فَإِنْ اُبْتُلِيت فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ ؛ فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ ، فَسَمِعَ بِهِ جَلِيسُ الْمَلِكِ وَكَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ ، فَقَالَ : لَك مَا هُنَالِكَ أَجْمَعُ إنْ شَفَيْتنِي قَالَ : إنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا ، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاَللَّهِ دَعَوْت لَك فَشَفَاك .
فَآمَنَ بِاَللَّهِ ؛ فَشَفَاهُ اللَّهُ .
فَأَتَى الْمَلِكُ فَجَلَسَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَنْ رَدَّ عَلَيْك بَصَرَك ؟ قَالَ : رَبِّي .
قَالَ : وَلَك رَبٌّ غَيْرِي ، قَالَ : رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ .
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ
حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ .
فَجِيءَ بِالْغُلَامِ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : أَيْ بُنَيَّ ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِك مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ، فَقَالَ : إنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ .
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ ، فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك ، فَأَبَى ، فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ ، حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ ، فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك ، فَأَبَى ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ؛ ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك فَأَبَى ، فَدَفَعَهُ إلَى نَفَرٍ ، مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إلَى جَبَلِ كَذَا كَذَا ، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ ، فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْت ، فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ ، فَسَقَطُوا ، وَجَاءَ يَمْشِي إلَى الْمَلِكِ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُك ؟ فَقَالَ : كَفَانِيهِمْ اللَّهُ .
فَدَفَعَهُ إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ .
فَذَهَبُوا بِهِ .
فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْت ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ ، فَغَرِقُوا ، وَجَاءَ يَمْشِي إلَى الْمَلِكِ ؛ فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُك ؟ فَقَالَ : كَفَانِيهِمْ اللَّهُ .
فَقَالَ لِلْمَلِكِ : إنَّك لَسْت بِقَاتِلِي ، حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُك بِهِ .
قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ، ثُمَّ قُلْ : بِسْمِ اللَّهِ ، رَبِّ الْغُلَامِ ، ثُمَّ ارْمِنِي ؛ فَإِنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ قَتَلْتنِي .
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ،
ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ .
فَقَالَ النَّاسُ : آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، فَأَتَى الْمَلِكُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَرَأَيْت مَا كُنْت تَحْذَرُ ؟ قَدْ وَاَللَّهِ نَزَلَ بِك حَذَرُك ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ بِرَبِّ الْغُلَامِ ؛ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ ؛ فَخُدَّتْ ، وَأَضْرَمَ النَّارَ ، وَقَالَ : مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا ، أَوْ قِيلَ لَهُ : اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا ، حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا ، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا ، فَقَالَ الْغُلَامُ : يَا أُمَّهُ ، اصْبِرِي ، فَإِنَّك عَلَى الْحَقِّ ، فَاقْتَحَمَتْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ هُمْ الَّذِينَ حَفَرُوهُ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَهُمْ الَّذِينَ رَمَوْا فِيهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَكَانَ لَفْظُ الصُّحْبَةِ مُحْتَمَلًا ، إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَهُ وَخَصَّصَهُ آخِرَ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ لَهَا وَالرَّابِعَةِ مِنْهَا ، وَهُمَا قَوْلُهُ : { إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَذَا الْحَدِيثُ سَتَرَوْنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَفْسِيرَهُ فِي مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ هَهُنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْغُلَامَ صَبَرَا عَلَى الْعَذَابِ مِنْ الْقَتْلِ ، وَالصَّلْبِ ، وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي النَّارِ ، دُونَ الْإِيمَانِ .
وَهَذَا مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ .
سُورَةُ الطَّارِقِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَحَلَّ الْمَاءِ الَّذِي يُنْتَزَعُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، تُزْعِجُهُ الْقُدْرَةُ ، وَتُمَيِّزُهُ الْحِكْمَةُ ، وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ : إنَّهُ الدَّمُ الَّذِي تَطْبُخُهُ الطَّبِيعَةُ بِوَاسِطَةِ الشَّهْوَةِ ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَبَدًا إلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ ، وَالنَّظَرُ الْعَقْلِيُّ لَا يُنْتَهَى إلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا يَصِفُونَ فِيهِ دَعْوَى يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَقًّا ، بَيْدَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَعْيِينِهَا كَمَا قَدَّمْنَا ؛ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَخْصِيصِهَا حَسْبَمَا أَوْضَحْنَا .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً } وَهِيَ الدَّمُ ؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الدَّمَ هُوَ الطَّوْرُ الثَّالِثُ ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ الطَّوْرُ الْأَوَّلُ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ مِمَّنْ يَجْهَلُ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّهُ نَجِسٌ ؟ قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ ، وَأَخَذْنَا مَعَهُمْ فِيهِ كُلَّ طَرِيقٍ ، وَمَلْكنَا عَلَيْهِمْ بِثَبْتِ الْأَدِلَّةِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ لِلنَّظَرِ .
فَلَمْ يَجِدُوا لِلسُّلُوكِ إلَى مَرَامِهِمْ مِنْ أَنَّهُ طَاهِرٌ سَبِيلًا ، وَأَقْرَبُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى ثَقْبِ الْبَوْلِ عِنْدَ طَرَفِ الْكَمَرَةِ فَيَتَنَجَّسُ بِمُرُورِهِ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } يَعْنِي تُخْتَبَرُ الضَّمَائِرُ ، وَتَكْشِفُ مَا كَانَ فِيهَا .
وَالسَّرَائِرُ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ التَّكْلِيفِ وَالْأَفْعَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا السَّرَائِرُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ وَسَأَلَهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } أَبَلَغَك أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ السَّرَائِرِ ؟ قَالَ : قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ فِيمَا يَقُولُ النَّاسُ ، فَأَمَّا حَدِيثٌ أَخَذْته فَلَا .
وَالصَّلَاةُ مِنْ السَّرَائِرِ ، وَالصِّيَامُ مِنْ السَّرَائِرِ ، إنْ شَاءَ قَالَ : صَلَّيْت وَلَمْ يُصَلِّ .
وَمِنْ السَّرَائِرِ مَا فِي الْقُلُوبِ يَجْزِي اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ إلَّا الْأَمَانَةَ ، وَالْوُضُوءُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، الْوَدِيعَةُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ ، تُمَثَّلُ لَهُ عَلَى هَيْئَتِهَا يَوْمَ أَخَذَهَا ، فَيُرْمَى بِهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْهَا فَيَتْبَعُهَا فَيَجْعَلُهَا فِي عُنُقِهِ ، فَإِذَا رَجَا أَنْ يَخْرُجَ بِهَا زَلَّتْ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَعُهَا ، فَهُوَ كَذَلِكَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ .
وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
مِنْ الْأَمَانَةِ أَنْ ائْتُمِنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا .
قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : فِي الْحَيْضَةِ وَالْحَمْلِ إذَا قَالَتْ : لَمْ أَحِضْ ، وَأَنَا حَامِلٌ ، صَدَقَتْ مَا لَمْ تَأْتِ بِمَا يُعْرَفُ فِيهِ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ الْأَمَانَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كُلُّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ هَزْلٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ جَدٌّ كُلُّهَا ؛ فَلَا يَهْزِلُ أَحَدٌ بِعَقْدٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ إلَّا وَيُنَفَّذُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ فِي قَوْلِهِ هَزْلًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَزْلَ مَحَلٌّ لِلْكَذِبِ ، وَلِلْبَاطِلِ يُفْعَلُ ، وَلِلَّعِبِ يُمْتَثَلُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْغَرَضَ فِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَفِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
سُورَةُ الْأَعْلَى [ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { سَنُقْرِئُك } أَيْ سَنَجْعَلُك قَارِئًا ، فَلَا تَنْسَى مَا نُقْرِئُك .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } قَالَ : فَتَحْفَظُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَرْكِ النِّسْيَانِ ؛ إذْ كَانَ لَيْسَ مِنْ اسْتِطَاعَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ لَهُ تَرْكَهُ ، وَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ النَّاسِي فِي حَالِ نِسْيَانِهِ أَنْ يَصْرِفَ نِسْيَانَهُ لَا يُعْقَلُ قَوْلًا ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ فِعْلًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
{ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْ الدُّنْيَا } .
قُلْنَا .
مَعْنَاهُ لَا تَتْرُكْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ التَّرْكُ لُغَةً .
وَالتَّرْكُ عَلَى قِسْمَيْنِ : تَرْكٌ بِقَصْدٍ ، وَتَرْكٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ .
وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَرْتَبِطُ بِالْقَصْدِ مِنْ التَّرْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ ب { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } وَ { هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } } مِنْ طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ .
خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ ، وَغَيْرُهُ زَادَ النُّعْمَانُ : فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي طَوَّلَ صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ : اقْرَأْ ب { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } وَنَحْوِ ذَلِكَ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ يُزَكِّي ثُمَّ يُصَلِّي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي سَرْدِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ : قَالَ عِكْرِمَةُ : كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ أُقَدِّمُ زَكَاتِي بَيْنَ يَدِي صَلَاتِي .
فَقَالَ سُفْيَانُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .
وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، قَالَ : كَتَبَ إلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ هَذَا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعَاقِبُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ ، وَقَدْ كَتَبْت إلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنْ يَخْرُجُوا فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَلْيَفْعَلْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : قَدِّمُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهَا وَيُخْرِجُهَا .
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ هَذَا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعَاقِبُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعْنِي الزَّلَازِلَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الذِّكْرَ حَقِيقَتُهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ ، وَالضِّدَّانِ إنَّمَا يَتَضَادَّانِ فِي الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ ؛ فَأَوْجَبَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ خُصُوصًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اقْتَضَاهَا عُمُومًا قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .
وَالصَّلَاةُ أُمُّ الْأَعْمَالِ ، وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ؛ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي كُلِّ نِيَّةٍ بِفِعْلٍ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ ؛ وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي تَقْدِيمِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِأَجْلِ تَعَذُّرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ فِيهِ بِأَوَّلِ الْفِعْلِ عِنْدَ الْفَجْرِ ، لِوُجُودِهِ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْأَصْلِ وَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَنَّ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ عَلَى الصَّلَاةِ جَائِزٌ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ تَجْوِيزِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي الَّذِي يَمْشِي إلَى النَّهْرِ فِي الْغُسْلِ ؛ فَإِذَا وَصَلَ وَاغْتَسَلَ نَسِيَ أَنْ يُجْزِئَهُ قَالَ : فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .
وَهَذَا الْقَائِلُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَرَى فِيهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ ، وَالْوُضُوءَ فَرْعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَيُحْمَلُ الْأَصْلُ عَلَى الْفَرْعِ ؟
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .
[ إذَا قُلْنَا : إنَّهُ ] الذِّكْرُ الثَّانِي بِاللِّسَانِ الْمُخْبِرُ عَنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ مُفْتَتَحٌ بِهِ فِي أَوَّلِهَا بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ؛ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ كُلُّ ذِكْرٍ حَتَّى لَوْ قَالَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ " بَدَلَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ ، بَلْ لَوْ قَالَ بَدَلَ ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) : بِزْرك خداي لَأَجْزَأَهُ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُجْزِئُهُ " اللَّهُ الْكَبِيرُ " وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ .
[ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا قَوْلُهُ : ] اللَّهُ أَكْبَرُ .
فَأَمَّا تَعَلُّقُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الذِّكْرِ بِالْعَجَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } فَيَأْتِي ذِكْرُ وَجْهِ التَّقَصِّي عَنْهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهُ الذِّكْرُ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ الْعَامِّ : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } فَهَذَا الْعَامُّ قَدْ عَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ ؛ أَمَّا قَوْلُهُ فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } .
وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا : اللَّهُ أَكْبَرُ .
وَأَمَّا التَّعَلُّقُ لِلشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ : إنَّ زِيَادَةَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ لَا تُغَيِّرُ بِنَاءَهُ وَلَا مَعْنَاهُ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعَبُّدَ إذَا وَقَعَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَبَّرَ عَمَّا شُرِعَ فِيهِ بِمَا لَا يُغَيِّرُ ؛ لِأَنَّهَا شِرْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَاعْتِبَارٌ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
وَجَوَابٌ ثَانٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَدْخُلُ لِلْجِنْسِ وَلِلْعَهْدِ ، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ هَاهُنَا ، أَمَّا الْجِنْسُ فَإِنَّ
الْبَارِئَ تَعَالَى لَا جِنْسَ لَهُ .
وَأَمَّا الْعَهْدُ فَلِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْكُبْرِيَّةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَصْفٌ ، فَلَا مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ فِيهِ حَيْثُ لَا تُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ .
وَإِذَا بَطَلَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ أَبْطَل .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } عُمُومٌ فِي كُلِّ ذِكْرٍ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ أَكْبَرُ فِي الصَّلَاةِ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ ذَلِكَ الْعُمُومِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ لَوْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ وَاحِدٍ .
وَهَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَا عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَنُعَوِّلُ الْآنَ هُنَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .
وَهُوَ إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِكُلِّ ذِكْرٍ ، فَتَعَيَّنَ التَّكْبِيرُ بِأَمْرِهِ بِاتِّبَاعِهِ فِي صَلَاتِهِ ، فَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِذَلِكَ كُلِّهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَاهُ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ الْقُرْآنُ .
الثَّانِي أَنَّهُ مَا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا يَعْنِي أَحْكَامَ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَحْقِيقُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى } يَعْنِي الْقُرْآنَ مُطْلَقًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِيهِ أَحْكَامُهُ فَإِنْ أَرَادَ مُعْظَمَ الْأَحْكَامِ فَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك } .
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِهِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَهُوَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْوَالِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْعَجَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } .
قَالُوا : فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كِتَابَهُ وَقُرْآنَهُ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِخْبَارِ بِهَا عَنْهُ وَبِأَمْثَالِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَلْسُنِ الَّتِي تُخَالِفُهُ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّا نَقُولُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُبَ ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ ، وَمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ إلَّا بِلُغَتِهِمْ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَيْسِيرٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَتَقْرِيبٌ لِلتَّفْهِيمِ إلَيْهِمْ ، وَكُلٌّ مُفْهِمٌ بِلُغَتِهِ ، مُتَعَبِّدٌ بِشَرِيعَتِهِ ، وَلِكُلِّ كِتَابٍ بِلُغَتِهِمْ اسْمٌ ؛ فَاسْمُهُ بِلُغَةِ مُوسَى التَّوْرَاةُ ، وَاسْمُهُ بِلُغَةِ عِيسَى الْإِنْجِيلُ ، وَاسْمُهُ بِلُغَةِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنُ ، فَقِيلَ لَنَا : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ بِمَا يُسَمَّى قُرْآنًا .
الثَّانِي : هَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي صُحُفِ مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَمَا الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّهُ تَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : بِالْقِيَاسِ .
قُلْت : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ لَا سِيَّمَا عِنْدَكُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ عَلَى التَّمَامِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْمُسَيْطِرُ هُوَ الْمُسَلَّطُ الَّذِي يَقْهَرُ وَيَغْلِبُ عَلَى مَا يَقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُعَرِّفًا بِرِسَالَتِهِ ، مُذَكِّرًا بِنُبُوَّتِهِ ، يَدْعُو الْخَلْقَ إلَى اللَّهِ ، وَيُذَكِّرُهُمْ عَهْدَهُ ، وَيُبَشِّرُهُمْ وَعْدَهُ ، وَيُحَذِّرُهُمْ وَعِيدَهُ ، وَيُعَرِّفُهُمْ دِينَهُ ، حَتَّى وَضَحَتْ الْمَحَجَّةُ ، وَقَامَتْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ الْحُجَّةُ ؛ فَلَمَّا اسْتَمَرَّ الْخَلْقُ عَلَى فَسَادِ رَأْيِهِمْ ، وَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ وَغُلَوَائِهِمْ ، أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْقِتَالِ ، وَسَوْقِ الْخَلْقِ إلَى الْإِيمَانِ قَسْرًا ، وَنَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَمْثَالَهَا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا .
وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } } : بِمُسَلَّطٍ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، مُفَسِّرًا مَعْنَى الْآيَةِ ، وَكَاشِفًا خَفِيَّ الْخَفَاءِ عَنْهَا .
الْمَعْنَى إذَا قَالَ النَّاسُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَسْت بِمُسَلَّطٍ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، وَإِنَّمَا عَلَيْك بِالظَّاهِرِ ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُطَالَبُ لَا بِالظَّاهِرِ وَلَا بِالْبَاطِنِ ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَتَكْلِيفِهِ الْقِتَالَ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَيْهِ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ [ صَحِيحُ السَّنَدِ ] ، صَحِيحُ الْمَعْنَى .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْفَجْرِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالْفَجْرِ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْفَجْرُ : هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الزَّمَانِ ؛ وَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا فَجْرَانِ : أَحَدُهُمَا الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو أَوَّلًا ثُمَّ يَخْفَى ؛ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبِ ذَنَبَ السِّرْحَانِ لِطُرْآنِهِ ثُمَّ إقْلَاعِهِ .
وَالثَّانِي : هُوَ الْبَادِي مُتَمَادِيًا ؛ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الْمُسْتَطِيلَ ؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو كَالْحَبْلِ الْمُعَلَّقِ مِنْ الْأُفُقِ أَوْ الرُّمْحِ الْقَائِمِ فِيهِ ؛ وَيُسَمَّى الثَّانِي الْمُسْتَطِيرَ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ عَرْضًا فِي الْأُفُقِ ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الْكَاذِبَ ؛ وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .
وَيُسَمَّى الثَّانِي الصَّادِقَ لِثُبُوتِهِ ؛ وَبِهِ تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ السُّحُورِ أَذَانُ بِلَالٍ ، وَلَا الصُّبْحُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَكِنْ الْمُسْتَطِيرُ بِالْأُفُقِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَلِأَجْلِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ عَنْهُ : الْفَجْرُ أَمْرُهُ بَيِّنٌ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَعْيِينِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ جَابِرٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ .
الثَّانِي : عَشْرُ الْمُحَرَّمِ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا الْعَشْرُ الَّتِي أَتَمَّهَا اللَّهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مِيقَاتِهِ مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا كُلُّ مَكْرُمَةٍ فَدَاخِلَةٌ مَعَهُ فِي هَذَا اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى لَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي إثْبَاتٍ ، وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَلَا تُوجِبُ الشُّمُولَ ؛ وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ مَعَ النَّفْيِ ؛ فَهَذَا الْقَوْلُ يُوجِبُ دُخُولَ لَيَالٍ عَشْرٍ فِيهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ، فَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَا هِيَ ؛ لَكِنْ تَبْقَى هَاهُنَا نُكْتَةٌ ؛ وَهِيَ أَنْ تَقُولَ : فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى تَعْيِينِهَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قُلْنَا : نَحْنُ نُعَيِّنُهَا بِضَرْبٍ مِنْ النَّظَرِ ، وَهِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَرَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُعْتَبَرَاتِ أَفْضَلَ مِنْهَا ، لَا سِيَّمَا وَفِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ؛ فَلَا يُعَادِلُهَا وَقْتٌ مِنْ الزَّمَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } ؛ قَالَ : الْأَيَّامُ مَعَ اللَّيَالِي ، وَاللَّيْلُ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَهُوَ حِسَابُ الْقَمَرِ الَّذِي وَقَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتِ كَمَا رَتَّبَ عَلَى حِسَابِ الشَّمْسِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ النَّهَارُ عَلَى اللَّيْلِ بِالْعَادَاتِ فِي الْمَعَاشِ وَالْأَوْقَاتِ .
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ اللُّغَةِ وَحَبْرُهَا أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ أَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَحْسِبُ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَيَجْعَلُ اللَّيْلَةَ لِلْيَوْمِ الْمَاضِي ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ { قَوْلُ
عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ إيلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ عَدًّا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَمْ تَكُنْ آلَيْت شَهْرًا فَقَالَ : إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } ، وَلَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ لِلْيَوْمِ الْآتِي لَكَانَ قَدْ غَابَ عَنْهُنَّ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ بَالِغٌ طَالَمَا سُقْتُهُ سُؤَالًا لِلْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ وَتَقْلِيبًا لِلدَّفَاتِرِ بِالْبَيَانِ حَتَّى وَجَدْت أَبَا عَمْرٍو وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا ؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لُغَةً نَقَلَهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نُكْتَةً أَخَذَهَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَنْبَطَهَا .
وَالْغَالِبُ فِي أَلْسِنَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ غَلَبَةُ اللَّيَالِي لِلْأَيَّامِ ، حَتَّى إنَّ مِنْ كَلَامِهِمْ : " صُمْنَا خَمْسًا " يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ اللَّيَالِي ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لِلْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الصَّلَاةَ شَفْعٌ كُلُّهَا ، وَالْمَغْرِبَ وَتْرٌ ؛ قَالَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ] .
الثَّانِي : أَنَّ الشَّفْعَ أَيَّامُ النَّحْرِ ، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ مِنًى ، وَالْوَتْرَ : الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ مِنًى ، وَهُوَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .
الرَّابِعُ أَنَّ الشَّفْعَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَالْوَتْرَ أَيَّامُ مِنًى لِأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ .
الْخَامِسُ الشَّفْعُ : الْخَلْقُ ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
السَّادِسُ أَنَّهُ الْخَلْقُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ مِنْهُ شَفْعًا وَمِنْهُ وَتْرًا .
السَّابِعُ أَنَّهُ آدَم ؛ وَتْرٌ شَفَعَتْهُ زَوْجَتُهُ ، فَكَانَتْ شَفْعًا لَهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّامِنُ أَنَّ الْعَدَدَ مِنْهُ شَفْعٌ ، وَمِنْهُ وَتْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ الْآيَةُ خِلَافُ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّفْعِ كَانَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعَهْدِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عَهْدٌ ؛ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كُلَّ شَفْعٍ وَوَتْرٍ مِمَّا ذُكِرَ وَمِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ يَسْتَغْرِقُ مَا تُرِكَ فِي الظَّاهِرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لَكِنْ إنْ قُلْنَا : إنَّ اللَّيَالِيَ الْعَشْرَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ يَوْمَ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْخَامِسُ فَوَجْهُ الْقَسَمِ فِيهِ وَحَقِّ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ لَهُمْ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ السَّادِسُ فَمَعْنَاهُ وَحَقِّ الْخَلْقِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ السَّابِعِ
وَحَقِّ آدَمَ وَزَوْجَتِهِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّامِنِ أَنَّهُ قَالَ : وَحَقِّ الْعَدَدِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوَامَ الْخَلْقِ وَتَمَامًا لَهُمْ ، حَتَّى لَقَدْ غَلَا فِيهِ الْغَالُونَ حَتَّى جَعَلُوهُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَالتَّكْلِيفِ ، وَسِرَّ الْعَالَمِ وَتَفَاصِيلَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ هَوَسٌ كُلُّهُ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ فَمِنْهَا شَفْعٌ ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ ، وَمِنْهَا وَتْرٌ وَهِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهَا لَا تُعَادُ فِي جَمَاعَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا لَوْ طُلِبَ بِهَا فَضْلُ الْجَمَاعَةِ لَانْقَلَبَتْ شَفْعًا ، حَتَّى تَنَاهَى عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : لَوْ أَعَادَهَا رَجُلٌ [ فِي جَمَاعَةٍ ] غَفْلَةً لَقِيلَ لَهُ : أَعِدْهَا ثَالِثَةً ؛ حَتَّى تَكُونَ وَتْرًا تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ الْمَغْرِبَ لَوْ صَارَتْ بِالْإِعَادَةِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفْعًا لَصَارَتْ الظُّهْرُ بِإِعَادَتِهَا ثَمَانِيًا ، وَيَعُودُ ذَلِكَ فِي حَالِ التَّخْلِيطِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فَيُقَالُ فِيهِ : فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي إذَا مَا ذَكَرْتهَا أَثِنْتَيْنِ صَلَّيْت الضُّحَى أَمْ ثَمَانِيًا فَكَمَا لَا تَتَضَاعَفُ الظُّهْرُ بِالْإِعَادَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا تَتَضَاعَفُ الْمَغْرِبُ ، وَأَشَدُّهُ الصَّلَاةُ الثَّالِثَةُ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَمَّا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ أَقَلَّ النَّفْلِ رَكْعَتَانِ .
قُلْنَا : إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالشَّفْعِ } يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا .
وقَوْله تَعَالَى : { وَالْوَتْرِ } يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَتْرِ وَحْدَهُ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ : { الِاسْتِجْمَارُ وَتْرٌ ، وَالطَّوَافُ وَتْرٌ ، وَالْفَرْدُ كَثِيرٌ } ، وَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ يَكْفِي فِيهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَقْسَمَ اللَّهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، كَمَا أَقْسَمَ بِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، وَجُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَخَصَّهُ هَاهُنَا بِالسُّرَى لِنُكْتَةٍ هِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } .
وَقَالَ : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } وَأَشَارَ هَاهُنَا إلَى أَنَّ اللَّيْلَ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيهِ لِلْمَعَاشِ ، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي النَّهَارِ ، وَيَتَقَلَّبُ فِي الْحَالِ فِيهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moosam66.yoo7.com
mousa
.
.
avatar

مصر
عدد المساهمات : 6914

مُساهمةموضوع: رد: كتاب أحكام القرآن ج22   الإثنين أغسطس 01, 2011 6:05 am

وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيْلٍ ، فَقَالَ لَهُ : السُّرَى يَا جَابِرُ } .
وَخَاصَّةً الْمُسَافِرُ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ كُنْت قَدْ قَيَّدْت فِي فَوَائِدِي بِالْمَنَارِ أَنَّ الْأَخْفَشَ قَالَ لِمُؤَرِّجٍ : مَا وَجْهُ مَنْ حَذَفَ مِنْ عَدَا ابْنَ كَثِيرٍ الْيَاءَ مِنْ قَوْلِهِ : يَسْرِي ؟ فَسَكَتَ عَنْهَا سَنَةً ، ثُمَّ قُلْنَا لَهُ : نَخْتَلِفُ إلَيْك نَسْأَلُك مُنْذُ عَامٍ عَنْ هَذِهِ .
الْمَسْأَلَةِ فَلَا تُجِيبُنَا ؟ فَقَالَ : إنَّمَا حَذَفَهَا لِأَنَّ اللَّيْلَ يُسْرَى فِيهِ وَلَا يَسْرِي .
فَعَجِبْت مِنْ هَذَا الْجَوَابِ الْمُقَصِّرِ مِنْ غَيْرِ مُبْصِرٍ ؛ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَشْيَاخِي : تَمَامُهُ فِي بَيَانِهِ أَنَّ ذَلِكَ لِفِقْهٍ ، هُوَ أَنَّ الْحَذْفَ يَدُلُّ عَلَى الْحَذْفِ ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ .
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّك بِعَادٍ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ } : فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَمَّا " عَادٌ " فَمَعْلُومَةٌ قَدْ جَرَى ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، وَعَظُمَ أَمْرُهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : إرَمَ فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ اسْمُ جَدِّ عَادٍ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
الثَّانِي : إرَمُ : أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ مِنْ عَادٍ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَقِيلَ وَهُوَ : الرَّابِعُ هُوَ إرَمُ بْنُ عَوْصِ بْنُ سَامِ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الْخَامِسُ أَنَّ إرَمَ الْهَلَاكُ : يُقَالُ : أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ أَيْ هَلَكُوا .
السَّادِسُ أَنَّهُ اسْمُ الْقَرْيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ الْقَاضِي : لَوْ أَنَّ قَوْلَهُ : إرَمَ يَكُونُ مُضَافًا إلَى عَادٍ لَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى جَدِّهِ أَوْ إلَى إرَمَ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ عَادٌ مُنَوَّنٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ جَدِّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا زَائِدًا لِعَادٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أُمَّةٌ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَبِيلَةً مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ اسْمَ الْقَرْيَةِ .
وَيُحْتَمَلُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ، لَوْلَا أَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهَا إرْمٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ .
فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَحْتَ ذَلِكَ مِنْ الْخَفَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { ذَاتِ الْعِمَادِ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ الْقَطْرَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الطُّولُ ، كَانُوا أَطْوَلَ أَجْسَامًا وَأَشَدَّ قُوَّةً .
وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّ طُولَ الرَّجُلِ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي الْهَوَاءِ ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ إلَى الْآنَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْعِمَادَ الْقُوَّةُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ ذَاتُ الْبِنَاءِ
الْمُحْكَمِ ، يُقَالُ : إنَّ فِيهَا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ عَمُودٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي تَعْيِينِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَ عَنْ مَالِكٍ : هِيَ دِمَشْقُ ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ : هِيَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة .
وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهَا دِمَشْقُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِي الْبِلَادِ مِثْلُهَا وَقَدْ ذَكَرْت صِفَتَهَا وَخَبَرَهَا فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْمِلَّةِ ، وَإِلَيْهَا أَوَتْ مَرْيَمُ ، وَبِهَا كَانَ آدَم ، وَعَلَى الْغُرَابِ جَبَلِهَا دَمُ هَابِيلَ فِي الْحَجَرِ جَارٍ لَمْ تُغَيِّرْهُ اللَّيَالِي ، وَلَا أَثَّرَتْ فِيهِ الْأَيَّامُ ، وَلَا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ ، بَاطِنُهَا كَظَاهِرِهَا ، مَدِينَةٌ بِأَعْلَاهَا ، وَمَدِينَةٌ بِأَسْفَلِهَا ، تَشُقُّهَا تِسْعَةُ أَنْهَارٍ ؛ لِلْقَصَبَةِ نَهْرٌ ، وَلِلْجَامِعِ نَهْرٌ ، وَبَاقِيهَا لِلْبَلَدِ ، وَتَجْرِي الْأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا تَجْرِي مِنْ فَوْقِهَا ، لَيْسَ فِيهَا كِظَامَةٌ وَلَا كَنِيفٌ ، وَلَا فِيهَا دَارٌ ، وَلَا سُوقٌ ، وَلَا حَمَّامٌ ، إلَّا وَيَشُقُّهُ الْمَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا دَائِمًا أَبَدًا ، وَفِيهَا أَرْبَابُ دُورٍ قَدْ مَكَّنُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ سَعَةِ الْأَحْوَالِ بِالْمَاءِ ، حَتَّى إنَّ مُسْتَوْقَدَهُمْ عَلَيْهِ سَاقِيَةٌ ، فَإِذَا طُبِخَ الطَّعَامُ وُضِعَ فِي الْقَصْعَةِ ، وَأُرْسِلَ فِي السَّاقِيَةِ ؛ فَيُجْرَفُ إلَى الْمَجْلِسِ فَيُوضَعُ فِي الْمَائِدَةِ ، ثُمَّ تُرَدُّ الْقَصْعَةُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى إلَى الْمُسْتَوْقَدِ فَارِغَةً ، فَتُرْسَلُ أُخْرَى مَلْأَى ، وَهَكَذَا حَتَّى يَتِمَّ الطَّعَامُ .
وَإِذَا كَثُرَ الْغُبَارُ فِي الطُّرُقَاتِ أَمَرَ صَاحِبُ الْمَاءِ أَنْ يُطْلَقَ النَّهْرُ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَالْأَرْبَاضِ فَيَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا ، حَتَّى يَلْجَأَ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ إلَى الدَّكَاكِينِ ، فَإِذَا كُسِحَ غُبَارُهَا سَكَّرَ السَّاقِيَانِيُّ أَنْهَارَهَا ، فَمَشَيْت فِي الطُّرُقِ عَلَى بَرْدِ الْهَوَاءِ وَنَقَاءِ الْأَرْضِ ، وَلَهَا بَابُ جَيْرُونِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ؛ وَعِنْدَهُ الْقُبَّةُ الْعَظِيمَةُ والمِيقَاتَاتُ لِمَعْرِفَةِ
السَّاعَاتِ ، عَلَيْهَا بَابُ الْفَرَادِيسِ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِثْلُهُ ، عِنْدَهُ كَانَ مَقَرِّي ، وَإِلَيْهِ مِنْ الْوَحْشَةِ كَانَ مَفَرِّي ، وَإِلَيْهِ كَانَ انْفِرَادِي لِلدَّرْسِ وَالتَّقَرِّي .
وَفِيهَا الْغُوطَةُ مَجْمَعُ الْفَاكِهَاتِ ، وَمَنَاطُ الشَّهَوَاتِ ، عَلَيْهَا تَجْرِي الْمِيَاهُ ، وَمِنْهَا تُجْنَى الثَّمَرَاتُ ؛ وَإِنَّ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة لَعَجَائِبَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْمَنَارُ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى الْعُمُدِ ، وَلَكِنْ لَهَا أَمْثَالٌ ، فَأَمَّا دِمَشْقُ فَلَا مِثَالَ لَهَا .
وَقَدْ رَوَى مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كِتَابًا وُجِدَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَلَمْ يُدْرَ مَا هُوَ ، فَإِذَا فِيهِ : أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ الَّذِي رَفَعَ الْعِمَادَ ، بَنَيْتهَا حِينَ لَا شَيْبَ وَلَا مَوْتَ قَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ لَتَمُرُّ بِهِمْ مِائَةُ سَنَةٍ لَا يَرَوْنَ بِهَا جِنَازَةً .
وَذُكِرَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ ، أَنَا الَّذِي رَفَعْت الْعِمَادَ ، أَنَا الَّذِي كَنَزْت كَنْزًا عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِيهَا مِنْ طَرِيقِ الْأَحْكَامِ التَّحْذِيرُ مِنْ التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ ، وَالتَّعَاظُمِ بِتَشْيِيدِ الْحِجَارَةِ ، وَالنَّدْبُ إلَى تَحْصِيلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوصِلُ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَمِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ التَّطَاوُلُ فِي الْبُنْيَانِ ، { وَقَدْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُنْيَانُ مَسْجِدِهِ ، فَقَالَ : عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى } .
وَالْبُنْيَانُ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَقَدْ تُوُفِّيَ وَمَا وَضَعَ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ ، ثُمَّ تَطَاوَلْنَا فِي بُنْيَانِنَا ، وَزَخْرَفْنَا مَسَاجِدَنَا ، وَعَطَّلْنَا قُلُوبَنَا وَأَبْدَانَنَا .
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
سُورَةُ الْبَلَدِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قِرَاءَتِهَا : قَرَأَ الْحَسَنُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَابْنُ كَثِيرٍ : لَأُقْسِمُ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ زَائِدَةٍ عَلَى اللَّامِ إثْبَاتًا .
وَقَرَأَهَا النَّاسُ بِالْأَلِفِ نَفْيًا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ إذَا كَانَ حَرْفُ " لَا " مَخْطُوطًا بِأَلِفٍ عَلَى صُورَةِ النَّفْيِ ، هَلْ يَكُونُ الْمَعْنَى نَفْيًا كَالصُّورَةِ أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَكُونُ صِلَةً فِي اللَّفْظِ ، كَمَا تَكُونُ " مَا " صِلَةً فِيهِ ؛ وَذَلِكَ فِي حَرْفِ " مَا " كَثِيرٌ ؛ فَأَمَّا حَرْفُ لَا فَقَدْ جَاءَتْ [ كَذَلِكَ ] فِي قَوْلِ الشَّاعِر : تَذَكَّرْت لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ وَكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ أَيْ يَتَقَطَّعُ ، وَدَخَلَ حَرْفُ " لَا " صِلَةً .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : [ يَكُونُ ] تَوْكِيدًا ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَكَقَوْلِ أَبِي كَبْشَةَ [ امْرِئِ الْقَيْسِ ] : فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا رَدٌّ لِكَلَامِ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْقَسَمَ ؛ فَقَالَ : أُقْسِمُ ، لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَ الْيَمِينِ الْمُبْتَدَأَةِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ الَّتِي تَكُونُ رَدًّا ؛ قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَمَّا كَوْنُهَا صِلَةً فَقَدْ ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُك } فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُ صِلَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي ص : { مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْت } وَالنَّازِلَةُ وَاحِدَةٌ ، وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ ، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ ؛ فَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى اللَّفْظِ خَاصَّةً .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ تَوْكِيدٌ فَلَا مَعْنَى لَهُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا ظَهَرَ الْمُؤَكِّدُ ؛ كَقَوْلِهِ : لَا وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَكِّدٌ فَلَا وَجْهَ لِلتَّأْكِيدِ ، أَلَا
تَرَى إلَى قَوْلِهِ : فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ [ كَيْفَ ] أَكَّدَ النَّفْيَ وَهُوَ لَا يَدِّعِي بِمِثْلِهِ .
وَمِنْ أَغْرَبِ هَذَا أَنَّهُ قَدْ تُضْمَرُ وَيُنْفَى مَعْنَاهَا ، كَمَا قَالَ أَبُو كَبْشَةَ : فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْك وَأَوْصَالِي فِي قَوْلٍ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ الْإِلْجَاءِ لِلْفُقَهَاءِ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ الْأُدَبَاء .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا رَدٌّ فَهُوَ قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ رَدٌّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى ، وَيَتَمَكَّنُ اللَّفْظُ وَالْمُرَادُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا : لَأُقْسِمُ فَاخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا فِي الْخَطِّ كَمَا حَذَفَهَا فِي اللَّفْظِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ؛ فَإِنَّ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَصْلٌ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَكْتُبُهَا وَلَا أَلْفِظُ بِهَا ، كَمَا كَتَبُوا " لَا إلَى الْجَحِيمِ " .
و " لَا إلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ " بِأَلِفٍ ، وَلَمْ يَلْفِظُوا بِهَا ، وَهَذَا يَلْزَمُهُمْ فِي قَوْلِهِ : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } وَشِبْهِهِ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَكُونُ صِلَةً فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ، كَقَوْلِهِ : { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } وَقَوْلِهِ : { أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُك } وَنَحْوِهِ ؛ فَأَمَّا فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فَلَا يُوصَلُ بِهَا إلَّا مَقْرُونَةً بِأَلِفٍ ، كَقَوْلِهِ : { أَلَا إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } .
فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا : إنَّ الْقُرْآنَ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُصِلَ بِهَا مَا قَبْلَهَا لَكَانَتْ : أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، حَتَّى إنَّ قَوْمًا كَرِهُوا فِي الْقِرَاءَةِ أَنْ يَصِلُوهَا بِهَا ، وَوَقَفُوا حَتَّى يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، لِيَقْطَعُوا الْوَصْلَ الْمُتَوَهَّمَ .
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ نَقُولَ : إنَّ الصِّلَةَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ كَصِلَةِ آخِرِهِ
بِهَا ، كَذِكْرِهَا فِي أَثْنَائِهِ ؛ بَلْ ذِكْرُهَا فِي أَثْنَائِهِ أَبْلَغُ فِي الْإِشْكَالِ ، كَقَوْلِهِ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ } وَلَوْ كَانَ هَذَا كُلُّهُ خَارِجًا عَنْ أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ ، قَادِحًا فِي زَيْنِ الْفَصَاحَةِ ، مُثَبِّجًا قَوَانِينَ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي طَالَ الْقُرْآنُ بِهَا أَنْوَاعَ الْكَلَامِ ، وَلَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهِ الْفُصَحَاءُ الْبُلَّغُ ، وَالْعَرَبُ الْعُرْبُ ، وَالْخُصَمَاءُ اللُّدُّ ، فَلَمَّا سَلَّمُوا فِيهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى أُسْلُوبِهِمْ جَارٍ ، وَفِي رَأْسِ فَصَاحَتِهِمْ مَنْظُومٌ ، وَعَلَى قُطْبِ عَرَبِيَّتِهِمْ دَائِرٌ ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُفَسِّرِينَ ، فَقَالُوا : قَوْلُهُ : { لَا أُقْسِمُ } قَسَمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِغَيْرِهِ .
قُلْنَا : هَذَا قَدْ بَيَّنَّا الْجَوَابَ عَنْهُ عَلَى الْبَلَاغِ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ ، وَقُلْنَا : لِلْبَارِي تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَعْظِيمًا لَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ ؟ قُلْنَا : لَا تُعَلَّلُ الْعِبَادَاتُ .
وَلِلَّهِ أَنْ يُشَرِّعَ مَا شَاءَ ، وَيَمْنَعَ مَا شَاءَ [ وَيُبِيحَ مَا شَاءَ ] ، وَيُنَوِّعَ الْمُبَاحَ وَالْمُبَاحَ لَهُ ، وَيُغَايِرَ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِينَ ، وَيُمَاثِلَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيمَا كَلَّفَ مِنْ ذَلِكَ ، وَحَمَّلَ فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
فَإِنْ قِيلَ .
فَلِمَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ دَعَائِمَ الْإِسْلَامِ وَفَرَائِضَ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ .
[ قُلْت : قَدْ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مَشْرِقِيَّةٍ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة : أَفْلَحَ وَاَللَّه إنْ صَدَقَ ، وَيُمْكِنُ ] أَنْ يَتَصَحَّفَ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ بِقَوْلِهِ : وَأَبِيهِ .
جَوَابٌ آخَرُ بِأَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ
بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } .
جَوَابٌ آخَرُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ عِبَادَةً ، فَإِذَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسُنِ عَادَةً فَلَا يُمْنَعُ ، فَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ تُقْسِمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْ تَكْرَهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تُعَظِّمُ ؛ قَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ : أَظَنَّتْ سِفَاهًا مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهَا لَأَهْجُوهَا لَمَا هَجَتْنِي مُحَارِبُ فَلَا وَأَبِيهَا إنَّنِي بِعَشِيرَتِي وَنَفْسِي عَنْ هَذَا الْمُقَامِ لَرَاغِبُ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ : لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ أَيَّانَ نَلْتَقِي لَمَا لَا تُلَاقِيهَا مِنْ الدَّهْرِ أَكْثَرُ يَعُدُّونَ يَوْمًا وَاحِدًا إنْ لَقِيتهَا وَيَنْسَوْنَ أَيَّامًا عَلَى النَّأْيِ تَهْجُرُ وَقَالَ آخَرُ : لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ لَا عَمْرَ غَيْرُهُمْ لَقَدْ كَلَّفَتْنِي خُطَّةً لَا أُرِيدُهَا وَقَالَ آخَرُ : فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أَزُورُهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا شَائِعًا كَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَائِغًا .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا وَأَنْتَ سَاكِنٌ ، تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي أَنْتَ [ فِيهِ لِكَرَامَتِك عَلَيَّ ، وَحُبِّي لَك ؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى نَحْوِ الْحَالِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ ] فِيهِ .

الثَّانِي : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ يَحِلُّ لَك فِيهِ الْقَتْلُ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تُحَلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا حُلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ } .
الثَّالِثُ : وَيَرْجِعُ إلَى الثَّانِي أَنَّهُ يَحِلُّ لَك دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ؛ { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا } .
الرَّابِعُ قَالَ مُجَاهِدٌ : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ لَيْسَ عَلَيْك مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ : يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ عَصَمَك .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا قَوْلُهُ : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } أَيْ سَاكِنٌ فِيهِ ؛ فَيُحْتَمَلُ اللَّفْظُ ، وَتَقْتَضِيهِ الْكَرَامَةُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ عِظَمُ الْمَنْزِلَةِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْقَتْلِ بِمَكَّةَ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ؛ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ .
وَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا دُخُولُ النَّاسِ مَكَّةَ فَعَلَى قِسْمَيْنِ : إمَّا لِتَرَدُّدِ الْمَعَاشِ ، وَإِمَّا لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ لِتَرَدُّدِ الْمَعَاشِ فَيَدْخُلُهَا حَلَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ الْإِحْرَامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَمْ يُطِقْهُ ، وَقَدْ رُفِعَ تَكْلِيفُ هَذَا عَنَّا .
وَأَمَّا إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ تَكُونَ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً أَوْ غَيْرَهُمَا ؛ فَإِنْ كَانَ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ ؛ فَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَامِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ .
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْإِحْرَامِ ، لِقَوْلِهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تُحَلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
وَهَذَا عَامٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { بِهَذَا الْبَلَدِ } مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَقَدْ أَشَارَ لَهُ رَبُّهُ بِهَذَا ، وَذَكَرَ لَهُ الْبَلَدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ [ ضَرُورَةً ] التَّعْرِيفَ الْمَعْهُودَ .
وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَكَّةُ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْبَلَدَ بِحَرِيمِهِ ، كَمَا أَنَّ الدَّارَ بِحَرِيمِهَا ، فَحَرِيمُ الدَّارِ مَا أَحَاطَ بِجُدْرَانِهَا ، وَاتَّصَلَ بِحُدُودِهَا ، وَحَرِيمُ بَابِهَا مَا كَانَ لِلْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فِي الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَعِنْدَ عُلَمَائِنَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَرَاضِي فِي الصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ ، وَلَهَا حَرِيمُ السَّقْيِ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ الْمَاشِيَةُ بِالْمَاشِيَةِ مِنْ الْبِئْرِ الْأُخْرَى فِي الْمَسْقَى وَالْمَبْرَكِ ، وَمَنْ حَازَ حَرِيمًا أَوْ مُنَاخًا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَهُوَ لَهُ .
وَحَرِيمُ الشَّجَرَةِ مَا عَمُرَتْ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ ، فَأَمَرَ بِهَا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : { فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ ، فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا : { خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ } .
وَاَلَّذِي يَقْضِي بِهِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّهُ فِي الْعِمَارَةِ التَّامَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَرْضِ ، وَيَأْخُذُ دَوْحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ ، إلَّا أَنْ تَسْتَرْسِلَ أَغْصَانُهَا عَلَى أَرْضِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ مِنْهَا مَا أَضَرَّ بِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } : فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْعَقَبَةُ : فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا طَرِيقُ النَّجَاةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّانِي جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
الثَّالِثُ : عَقَبَةٌ فِي جَهَنَّمَ هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً ، قَالَهُ كَعْبٌ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا نَارٌ دُونَ الْحَشْرِ .
الْخَامِسُ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَعَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ : عَقَبَةٌ وَاَللَّهِ شَدِيدَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْعَقَبَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْأَمْرُ الشَّاقُّ ، وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالطَّاعَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْمُقَاسَاةِ لِلْأَهْوَالِ وَتَعْيِينُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِخَبَرِ الصَّادِقِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ " اقْتَحَمَ " مَعْنَاهُ قَطَعَ الْوَادِيَ بِسُلُوكِهِ فِيهِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : هُوَ رَمْيُهُ فِي وَهْدَةٍ بِنَفْسِهِ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْتَحِمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلِيَقْضِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ .
وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بَعْدَ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ عَلَى الصِّفَةِ بِحُكْمِ النَّظَرِ الْحَقِيقِيِّ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ قَوْلَ مُجَاهِدٍ : إنَّهُ لَمْ يَقْتَحِمْ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا ؛ وَإِنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ : { وَمَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ : { فَكُّ رَقَبَةٍ } .
وَفِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ : { أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ، فَهَذِهِ الْأَعْمَالُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا .
الْمَعْنَى فَلَمْ يَأْتِ فِي الدُّنْيَا بِمَا يُسَهِّلُ لَهُ سُلُوكَ الْعَقَبَةِ فِي الْآخِرَةِ .
تَحْقِيقُهُ : وَمَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ ؛ أَيُّ شَيْءٍ يَقْتَحِمُ بِهِ الْعَقَبَةَ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِحَامَ يَدُلُّ عَلَى مُقْتَحَمٍ بِهِ ، وَهُوَ مَا فَسَّرَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ : أَوَّلُهَا فَكُّ رَقَبَةٍ .
وَالْفَكُّ هُوَ حَلُّ الْقَيْدِ ، وَالرِّقُّ قَيْدٌ ، وَسُمِّيَ الْمَرْقُوقُ رَقَبَةً لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ الَّذِي يُرْبَطُ بِالْقَيْدِ فِي عُنُقِهِ قَالَ حَسَّانُ : كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ وَجَزِّ نَاصِيَةٍ كُنَّا مَوَالِيهَا وَفَكُّ الْأَسِيرِ مِنْ الْعَدُوِّ مِثْلُهُ ؛ بَلْ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ { مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَظِيمٌ فِي تَكْفِيرِ الزِّنَا بِالْعِتْقِ .
وَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ { أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ سَأَلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ ، فَغَضِبَ وَاثِلَةُ ، وَقَالَ : الْمَصَاحِفُ تُجَدِّدُونَ فِيهَا النَّظَرَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً وَأَنْتُمْ تَهُمُّونَ تَزِيدُونَ وَتُنْقِصُونَ ، ثُمَّ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَاحِبُنَا
هَذَا قَدْ أَوْجَبَ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً ؛ فَإِنَّ لَهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْ الْمُعْتَقِ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ } .
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عُلَيَّةَ ، حَدَّثَهُمْ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّيلِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ بِنَحْوِ مِثْلِهِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ أَصْبَغُ : الرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ ذَاتُ الثَّمَنِ أَفْضَلُ فِي الْعِتْقِ مِنْ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ الْقَلِيلَةِ الثَّمَنِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : { أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا } .
وَالْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا } ، { وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً } ، وَمَا ذَكَرَهُ أَصْبَغُ وَهْلَةً .
وَإِنَّمَا نُظِرَ إلَى تَنْقِيصِ الْمَالِ ، وَالنَّظَرُ إلَى تَجْرِيدِ الْمُعْتَقِ لِلْعِبَادَةِ ؛ وَتَفْرِيغِهِ لِلتَّوْحِيدِ أَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّرِيحِ مِنْ مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إطْعَامُ الطَّعَامِ قَدْ بَيَّنَّا فَضْلَهُ ، وَهُوَ مَعَ السَّغَبِ الَّذِي هُوَ الْجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ إطْعَامِهِ لِمُجَرَّدِ الْحَاجَةِ ، أَوْ عَلَى مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ .
وَإِطْعَامُ الْيَتِيمِ الَّذِي لَا كَافِلَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ إطْعَامِ ذِي الْأَبَوَيْنِ لِوُجُودِ الْكَافِلِ وَقِيَامِ النَّاصِرِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { ذَا مَقْرَبَةٍ } يُفِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الْبَعِيدِ ؛ وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ الْمِسْكِينِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي النَّفَلِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مَعَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } وَالْمَتْرَبَةُ : الْفَقْرُ الْبَالِغُ الَّذِي لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ طَعَامًا إلَّا التُّرَابَ وَلَا فِرَاشًا سِوَاهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الشَّمْسِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا } : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَا : أَخْرَجَ إلَيْنَا مَالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ زَعَمَ أَنَّهُ كَتَبَهُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، حِينَ كَتَبَ الْمَصَاحِفَ ، مِمَّا فِيهِ : وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا بِالْوَاوِ ، وَهَكَذَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو مِنْ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَقْرَأْ بِهِ نَافِعٌ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ قِرَاءَةُ نَافِعٍ .
قُلْنَا : لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا كُلُّ سَامِعٍ يَفْهَمُ عَنْهُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ الْهَمْزَ وَحَذْفَهُ ، وَالْمَدَّ وَتَرْكَهُ ، وَالتَّفْخِيمَ وَالتَّرْقِيقَ ، وَالْإِدْغَامَ وَالْإِظْهَارَ ، فِي نَظَائِرَ لَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّنَّةَ فِي تَوَسُّعِ الْخَلْقِ فِي الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ إلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ مِنْهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : { أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ } ، وَقَدْ ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ : لَا تَكُنْ فَتَّانًا ، اقْرَأْ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } وَنَحْوَهُمَا } ، فَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ .
سُورَةُ اللَّيْلِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى الْقَسَمِ فِيهَا : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنَّ مَعْنَاهُ وَرَبِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
وَهَذَا الْمَحْذُوفُ مُقَدَّرٌ فِي كُلِّ قَسَمٍ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَسَمِ بِهَا .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كَمَا تَقَدَّمَ يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ ، وَآدَمُ خُلِقَ وَحْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ حَوَّاءَ حَسْبَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَصُورَةُ الْمُصْحَفِ { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَابْنَ مَسْعُودٍ ، كَانَا يَقْرَآنِ : وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
قَالَ إبْرَاهِيمُ : قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالُوا : كُلُّنَا .
قَالَ تَقْرَءُونَ : { وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى } ؟ قَالَ عَلْقَمَةُ : وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ : وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، وَاَللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِمَّا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَشَرٌ ، إنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصُّحُفِ ؛ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِأَحَدٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّظَرُ فِيمَا يُوَافِقُ خَطَّهُ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ ضَبْطُهُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ ، وَيَنْقَطِعُ مَعَهُ الْعُذْرُ وَتَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ : الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ ، يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ إلَّا الثَّقَلَيْنِ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ يُعْتِقُ نِسَاءً وَعَجَائِزَ ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَيْ بُنَيَّ ، أَرَاك تُعْتِقُ أُنَاسًا ضُعَفَاءَ ، فَلَوْ أَنَّك أَعْتَقْت رِجَالًا جَلْدًا يَقُومُونَ مَعَك ، وَيَدْفَعُونَ عَنْك ، وَيَمْنَعُونَك ، فَقَالَ : أَيْ أَبَتِ ؛ إنَّمَا أُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ .
قَالَ : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { مَنْ أَعْطَى } : حَقِيقَةُ الْعَطَاءِ هِيَ الْمُنَاوَلَةُ ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ يَصِلُ مِنْ الْغَيْرِ إلَى الْغَيْرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقَى } : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حَقِيقَةِ التَّقْوَى ، وَأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ حِجَابٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَّخِذُهُ الْعَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِقَابِ ، كَمَا أَنَّ الْحِجَابَ الْمَحْسُوسَ يَتَّخِذُهُ الْعَبْدُ مَانِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَكْرَهُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } : فِيهَا
ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْخَلَفُ مِنْ الْمُعْطِي ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْجَنَّةُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الْمُخْتَارِ : كُلُّ مَعْنًى مَمْدُوحٍ فَهُوَ حُسْنَى ، وَكُلُّ عَمَلٍ مَذْمُومٍ فَهُوَ سُوأَى وَعُسْرَى ، وَأَوَّلُ الْحُسْنَى التَّوْحِيدُ ، وَآخِرُهُ الْجَنَّةُ ؛ وَكُلُّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حُسْنَى ، وَأَوَّلُ السُّوأَى كَلِمَةُ الْكُفْرِ ، وَآخِرُهُ النَّارُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَهُوَ مِنْهُمَا وَمُرَادٌ بِاللَّفْظِ الْمُعَبِّرِ عَنْهُمَا .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْحُسْنَى الْخَلَفُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { فَسَنُيَسِّرُهُ } يَعْنِي نُهَيِّئُهُ بِخَلْقِ أَسْبَابِهِ ، وَإِيجَادِ مُقَدِّمَاتِهِ ، ثُمَّ نَخْلُقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَ حَسَنًا سُمِّيَ يُسْرَى ، وَإِنْ مَذْمُومًا سُمِّيَ عُسْرَى ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْكُلِّ ، فَإِنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ هَيَّأَ أَسْبَابَهَا لِلْعَبْدِ وَخَلَقَهَا فِيهِ ، وَإِنْ أَرَادَ الشَّقَاءَ هَيَّأَ أَسْبَابَهُ لِلْعَبْدِ ، وَخَلَقَهَا فِيهِ ؛ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ صَحِيحَةٍ ، يُعَضِّدُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ ، وَيَعْتَضِدُ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ ، مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : { كُنَّا فِي جِنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ ، وَجَلَسْنَا ، وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَدْخَلُهَا .
فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ؟ فَقَالَ : بَلْ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ
الشَّقَاءِ .
ثُمَّ قَرَأَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } إلَى قَوْلِهِ : { لِلْعُسْرَى } } .
{ وَسَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ ؟ فَقَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ .
فَقَالَا : فَفِيمَ الْعَمَلُ إذَنْ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ .
قَالَا : فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { بَخِلَ } : قَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْبُخْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّهُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ .
} الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ : { وَاسْتَغْنَى } : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اسْتَغْنَى عَنْ اللَّهِ ، وَهُوَ كُفْرٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ، وَهُمْ فُقَرَاءُ إلَيْهِ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اسْتَغْنَى بِالدُّنْيَا عَنْ الْآخِرَةِ ، فَرَكَنَ إلَى الْمَحْسُوسِ ، وَآمَنَ بِهِ ، وَضَلَّ عَنْ الْمَعْقُولِ ، وَكَذَّبَ بِهِ ، وَرَأَى أَنَّ رَاحَةَ النَّقْدِ خَيْرٌ مِنْ رَاحَةِ النَّسِيئَةِ ، وَضَلَّ عَنْ وَجْهِ النَّجَاةِ ، وَرِبْحِ التِّجَارَةِ الَّتِي اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى طَلَبِهَا بِإِسْلَامِ دِرْهَمٍ إلَى غَنِيٍّ وَفِيٍّ لِيَأْخُذَ عَشْرَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، وَالْخَلْقُ مِلْكُهُ ، أَمَرَ بِالْعَمَلِ وَنَدَبَ إلَى النَّصَبِ ، وَوَعَدَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ ؛ فَالْحَرَامُ مَعْقُولًا ، وَالْوَاجِبُ مَنْقُولًا امْتِثَالَ أَمْرِهِ ، وَارْتِقَابَ وَعْدِهِ ، وَهَذَا مُنْتَهَى الْحُكْمِ فِي الْآيَةِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْبَيَانِ

مَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَقْصُودِ فَأَرْجَأْته إلَى مَكَانِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .

سُورَةُ الضُّحَى [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالضُّحَى } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { الضُّحَى } : هُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، يُقَالُ : ارْتَفَعَتْ الضُّحَى ، وَمَعْنَاهَا هُوَ الضَّوْءُ مُذَكَّرٌ ، وَتَصْغِيرُهُ ضُحَيَّا ، فَإِذَا فَتَحْت مَدَدْت ، قَالَ الشَّاعِرُ : أُعَجِّلُهَا أَقْدُحِي الضَّحَاءَ ضُحًى وَهِيَ تُنَاصِي ذَوَائِبَ السِّلْمِ يَصِفُ أَنَّهُ نَامَ عَنْ إبِلٍ ، فَأَخَذَهَا ضُحًى قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الضَّحَاءُ .
وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الضَّحَاءَ بَعْدَ الضُّحَى ، حَقٌّ إنَّهُ لِيَتَمَادَى إلَى نِصْفِ النَّهَارِ ، فَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حِينَ هَاجَرَ ، وَقَدْ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ ، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَزُولُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَ بِالْحَجَرِ فِي إصْبَعِهِ فَدَمِيَتْ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ .
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت .
قَالَ : فَمَكَثَ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ؛ مَا أَرَى شَيْطَانَك إلَّا قَدْ تَرَكَك ؛ فَنَزَلَتْ السُّورَةُ } .
الثَّانِي : رَوَى جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ : { اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُك قَدْ تَرَكَك } .
وَفِي رِوَايَةٍ : مَا أَرَى صَاحِبَك إلَّا أَبْطَأَك ، فَنَزَلَتْ .
وَهَذَا أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ " تَرْكُ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ " وَأَدْخَلَ الْحَدِيثَ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ وُجُوبُ قِيَامِ اللَّيْلِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ فِيهِ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْحَدِيثُ { بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَكَى ، فَتَرَكَ الْقِيَامَ } صَحِيحٌ وَذِكْرُهُ فِيهِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moosam66.yoo7.com
 
كتاب أحكام القرآن ج22
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مصر اسلامية  :: سلة المحزوفات-
انتقل الى: